التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ

ناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو
ابن شرحبيل بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن اجتمعت عليه اليمن وبعث الجيوش إلى كل من ناوأه ووطئ البلاد التي كان آباؤه يطئونها قبله واشتد سلطانه فسماه قومه ناشر النعم. قال معاوية: ولم سماه قومه بهذا الاسم؟ قال عبيد: يا معاوية أنعم عليهم فيما ارتجع من ملكهم وجمع الأمر لهم. قال: ثم سار بنفسه غازياً نحو المغرب فدوخها ووطئها حتى بلغ وادي الرمل لم يبلغ ذلك الوادي ولا تلك الأرض من أهل بيته غيره. فلما أتى إلى الوادي الذي يسيل رملاً لم يجد مخرجاً ولا مجازاً حتى جاء يوم السبت فلا يجري فلم يجده يسير، وأمر رجلاً من أهل بيته يعبر الوادي وكان يقال له عمرو بن زيد بأصحابه، فلم يرجع منهم أحد. فلما رأى ذلك ناشر النعم كف عن العبور، وأمر عند ذلك بصنم من نحاس فنصب على صخرة، ثم كتب على صدر ذلك الصنم بكتاب المسند - وهو كتاب الحميري - أبياتاً من شعر كتاباً ابتدعته حمير، لأن لا يكتبه غيرهم، يذكر فيه صفته وما بلغوا. قال معاوية: وما الكتاب الذي كتبوا
والشعر؟ قال عبيد: كتب فيه (صنع هذا الصنم الملك الحميري ناشر النعم اليعفري ليس وراء هذا مذهب فلا يتكلف أحد المضي فيعطب) فأما الشعر فأبيات كتبها في الصنم يقول فيها:

(1/439)


أنا الصنم الذي هيئا مكاني ... نبوءة المقاول والهبول
نصبت فلم أزل صنماً مقيماً ... لحمير للشباب وللكهول
فما أحد يجاوزني فيحيا ... إلى الجبل المطل على السهول
ليعلم من آتاني من أمامي ... فليس له ورائي من سبيل
قال معاوية: إنك لتخبرنا عجباً! قال: يا أمير المؤمنين إن أمر حمير كان أعجب من ذلك في مسيرها البلاد واستخدامها العباد. قال معاوية: وما ذلك يا عبيد لله أبوك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كانوا في رفاهية من العيش ونعم من ملك دنيا زينوها فكانوا ينزعون إلى دار ملكهم ويدعون ما قد احتووا عليه. فقال معاوية: فهل قيل في ناشر النعم شعر وفي الصنم والوادي الذي انتهى إليه؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال علقمة بن زيد بن يعفر بن عمرو شعراً. قال معاوية: ما قال؟ يا عبيد: قال - قال هذا الشعر:
أيا ناشر الأملاك قد نلت خطة ... علت فوق أملاك الملوك القماقم
سلكت غروب الأرض غاز بجحفل ... للاد الأعادي غير أرض الأشاتم
تفض جموعاً كالجبال لتنتهي ... إلى مبلغ في البعد غير التهائم
أتيت بنا واد حثيث مسيره ... برمل تراه كالجبال الرواسم
يسير أنهاراً والليالي دائبا ... بأمر إله ليس أمر الأوادم
وأوردته منا أولى الفضل والنهي ... لنعلم من أسبابه كل قادم
فهد جناحي المسقر فجعة ... فذاك ابن عمي وابن عز خضارم
فودعني عمرو عليه تحيني ... وافردني عمرو لهم مراغم
فلا مبلغ في البعد يأتيه معشر ... فيمضي إليه بعد شخص مرائم
بتسطير خط من كتاب ابن حمير ... بأن ليس بعدي من مضي لحازم

(1/440)


ولا مذهب من خلف ما قد أتيته ... بني حمير خير الأنام الأكارم
قال عبيد: وقد قال يا أمير المؤمنين ابن عمه النعمان بن الأسود بن المعترف فيما كان من مسيره وما ذكر من رد الملك إلى حمير وأنعامه عليهم في ذلك شعراً - يقول فيه:
فأنت أبيت اللعن في كل شارق ... وفزت بملك ذي بقاء إلى الحشر
لعمري لقد جللت حمير نعمة ... وأفضيت من أكتافها الحي من بكر
فأرجعتها الملك الذي كان قد وهى ... فأنت أبيت اللعن ذو النعم الزهر
ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً ووخى على قدر
لما كان أنس يبتغي أن يرومها ... ولا الجن إذ نحن إلا قاصم للظهر
ولكن قضاء كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبي الله داود ذي النصر
فذاك سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً عليه وعن أمر
فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الحبر عصراً من الدهر
ونحن ملوك الناس والمقتدى بنا ... إلى أن يصير الملك حيناً إلى قهر
يكون نبي أمره غير واهن ... رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
يكون له منا وأحمد اسمه ... غطاريف صدق في التعاون والنصر
وسوف بطا السودان أرض ابن حمير ... فتعمر عشراً أو قريباً من العشر
فيبتزها الملك الذي كان قد وهى ... شديد مقام الشخص منشرح الصدر
فيسلبها الملك الذي كان قد وهى ... نبي كريم النفس منشرح الصدر
أحمير سيري في البلاد لعزكم ... فإن المعالي لا تنال بلا قهر
قال عبيد: ثم انصرف من غزوته يا أمير المؤمنين، فلم يلبث حتى

(1/441)


هلك. قال
معاوية: لله أبوك، فكم ملك، ومن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ناشر النعم مائة سنة وإحدى وثمانين سنة - ثم ملك من بعده.

شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش
قال معاوية: ولم سمي يرعش؟ قال: لأنه كان به ارتعاش، وأنه سار بعدما ملك سنين نحو المشرق وسواحل البحر دخل أرض العراق في جمع لا يسمع برجل منهم سار في مثله من الخيل والرجال وكثرة العدد والعدة والقوة، ثم توجه إلى أرض الصين يريدها فكانت طريقه على أرض فارس وسجستان حتى دخل خراسان. فكان يأمر أهل مملكته أن لا يتنحوا عنه ويبعثوا إليه بالهدايا خوفاً ويطلبون منه الأمان فيؤمنهم ويبعثون بالأدلاء معه حتى انتهى إلى نهر بلخ فبينما هو يسير كذلك، إذ أقبل إليه ما لا يعلمه إلا الله من تلك الأمم من الأعاجم، وكان قد بلغه مسيره فاجتمعت تلك القبائل من أحياء الأعاجم ليصطلموا ذلك الجند من العرب. فقاتلهم أياماً ثم ظفر بهم فمزقهم كل ممزق وتبعهم مسيرة أيام - وكان للقوم مكان فيه سفنهم التي عليها يعبرون - فانتهوا إليها، والعرب في أثرهم حتى قاتلوهم على سفنهم التي عليها يعبرون فأخذوها وعبر من سلم منهم إلى بلادهم. وركب شمر وأصحابه السفن التي أخذوها منهم فعبروا على أثرهم وهم على مهل فاتبعوا القوم إلى بلادهم، فرأوا بلاداً كثيرة الخير واسعة المنشر، فحضروا المدائن وافتتحوا الحصون وحووا الأموال حتى أتوا على جمع لهم عظيم بالسغد فقاتلوهم أياماً، ثم أن شمر وأصحابه ظفروا بهم فدخلوا مدينة السغد فقتلوا وسبوا وهدموا المدينة - واسمها يومئذ اسم أعجمي، ثم

(1/442)


سماها الأعاجم بشمر فيقال لها شمر كند - قال معاوية: وما يعنون بشمر كند؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين لأن شمر هدمها فسميت به. قال معاوية: فما بالها اليوم تسمى سمرقند؟ قال عبيد: أن لغة العجم غير لغة العرب.
قال معاوية: صدقت، فماذا صنع شمر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين بلغنا إنه سار إلى مدينة السغد فنزل بها وأمر بصخرة فكتب فيها بكتاب حميري وهذا الذي يقال له المسند وهو هذا القول: هذا ملك عرب وعجم شمر يرعش الملك الأشم من بلغ هذا المكان فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني لا أعلم إلا ذلك، فأما الحديث فقد أصبته وهو على ذلك وأنا أرجو أن يظهر الله أمير المؤمنين بذلك الموضع من الأرض فيعلم إني قد أديت إليه من حديثي علماً. قال معاوية: أللهم أرنا تصديق قول بن شؤية، فإنه يذكر عجباً وإن شاء ربي فعل ذلك! فبلغني عن الشعبي إنه ذكر عن رجل من حيوان همدان - يقال له عبد الله - قال: بينما نحن بالسغد مع قتيبة بن مسلم الباهلي وافتتح سمرقند إذ نظر إلى حجر ملصق على الباب فيه خطوط كأنها بالعربية وليست بها، قال: والله إني لأظن هذا الكتاب لبعض ملوك حمير اطلبوا إلي منهم رجلاً حديث العهد باليمن يعرف كتابة حمير فقيل له: هذا عثمان بن أبي سعيد الحيواني قال: فجاء الرسول وأنا وإياه في خيمة فانطلق به إليه فقرأه على مثل ما ذكره عبيد لمعاوية ورواه عنه من رواه على ذلك. قال معاوية: فما قال قتيبة؟ قال: قال شراً، ثم قال: لو تقدمت سرادقي شيئاً؟ قال له الحيواني: ليس القليل بالذي عنى ولكن من ملك أرضاً غيرها يتقدم إليها. فاسكت قتيبة وقدم سرادقه وراء ذلك،

(1/443)


فلم يزل هنالك مقيماً حتى انصرف من وجهه ذلك. ثم قال معاوية: هل سمعت في ذلك شعراً يا عبيد؟ قال: نعم، قال الباني بن المننتاب شعراً. قال معاوية: فكيف قال يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين قال هذا الشعر:
تقول عرسي حين جد النوى ... حتى متى أنت تريد الثوى
أليس في عيشي قد أوتيتم ... مقام ذي الدهر قصى أو دنا
فقلت إذ قالت فما ضرنا ... إذ نحن لم نسمو لسفك الدما
تأمرني أن أكون جليساً لها ... وأترك الإقدام يوم الوغا
وحمير تسمو بأفعالها ... فيها رئيس القوم يوم اللقا
وشمر الراعش قد قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا
فقد وطئنا الأرض عليانها ... شرقاً وغرباً كالليوث الضرا
فشمر الراعش إذ قادنا ... بجحفل أرعن يغشى السها
فكان يوماً معظماً شأنه ... أورد بالعليا وذاك الشفا
فسائلي عنا لكي تخبري ... في مشرق الأرض إذا الدهر فا
يخبرك العالم عن حمير ... وجمعها بالسغد يوم الردى
أنا أبحنا أرضها كلها ... بقوم حرب كعديد الدبا
حتى أبدناهم بها عنوة ... ثم علوناهم بذبح وحى
وجاءت الفرسان من سيبها ... بكل بيضاء كعفر الضبا
وغودر الحصن بها عنوة ... ومثل الخط بصخر الصفا
يكون للعابر إن رامه ... أمراً عجيباً من ملوك الثرى
ويقال: إن سبب خروج شمر من اليمن إلى المشرق أم ملكاً من ملوك بابل - يقال له كيفاؤش بن كتيكة تجبر وبنى صرحاً للرقي فيه إلى السماء

(1/444)


كما فعل فرعون وهامان - فمضى غليه شمر بجنوده فحاربه فظفر به شمر وقفل راجعاً به إلى اليمن أسيراً فحبسه في بئر مأرب. ثم أن سعدى بنت شمر سمعت كيفاؤش يجار في تلك البئر فرحمته، فلم تزل تشفع إلى أبيها حتى أطلعته من السجن، وولاه على بلاده ورده إليها على خراج يؤديه في كل سنة. وقيل في رواية أخرى أن شمر لما افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين فخافه ملك الصين خوفاً عظيماً وعلم إنه لا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم وقال: قد أقبل هذا العربي ولا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم
وقال: قد اقبل هذا العربي لا طاقة لنا به فماذا ترون فأتى كل واحد منهم برأي وبقي منهم واحد لم يتكلم. فقال له: ما تقول؟ فقال: أرى أن تظهر الغضب علي وتجدع أنفي وتأخذ دوري وضياعي وأموالي ودوابي وعبيدي حتى يعلم الناس بذلك، فكره ذلك ملك الصين لعظم ذلك الوزير عنده، فلم يعذره ذلك الوزير حتى ساعده وفعل به ما أشار عليه به. فخرج ذلك الوزير من الصين حتى انتهى إلى شمر فأراه جدع أنفه وشكا عليه ما فعل به ملك الصين وأظهر لشمر يرعش النصيحة فجعله شمر يرعش من خاصته، ثم احتاج شمر إلى دليل يدله على الطريق إلى الصين في المفازة العظيمة التي دونه. فقال وزير ملك الصين لشمر: أنا الدليل ولا تجد أيها الملك من يعرف هذه المفازة ويعرف الطريق فيها مثلي. فنهض شمر يرعش بجنوده - وقيل إنه ترك التفقل الذي له ولجنوده في سمرقند - وسلك خلف الوزير، فسار بهم على غير طريق حتى بعدوا بعداً عظيماً وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا به ونفذ ما معهم من الماء. فقال شمر: أين الماء؟ فقال: لا ماء ها هنا إلا الموت، أردت أن تهلكنا وتهلك ملكنا وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، فوهبت نفسي لأهل بلادي فوقيتهم من الهلاك بنفسي وأنت ومن معك أحق بالهلاك من ملكنا

(1/445)


وأهل بلاده. فأمر به شمر فضربت عنقه، وأيقن شمر بالهلاك وقال لجنده: توجهوا أينما أحببتم، وفرش له درع من حديد فظلل عليه بدرقة من حديد فذكر عند ذلك قول قوم من المنجمين حكموا في ميلاده إنه يموت في بيت شقفه من حديد وفراشه من حديد. وذهب جنده كل منهم لوجهه فهلك أكثرهم في تلك المفازة، وتناشر من جنده ثلاثين ألفاً فوقعوا في أرض فيها الشجر والماء والنخيل - وهي بلاد التبت - فملكوها وتوطنوها، وبعدت عنهم أرض اليمن فسكنوا بها إلى اليوم، فزيهم زي العرب وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك منهم قائم بنفسه، وهم معترفون بأنهم من عرب اليمن، وهم يحبون العرب حباً
شديداً - وسمعت يا معاوية في رواية أخرى أن شمر قفل إلى اليمن غانماً سالماً حتى دخل اليمن وقرب من رثام، ثم هلك بينما الحديد من فوقه الحديد ومن تحته الحديد من حر النهار على ما ذكروا لما أصابه من المرض ثم هلك. والله أعلم أي ذلك كان! قال معاوية: فكم ملك شمر يرعش؟ قال عبيد: ملك مائة سنة وستين سنة. ثم ملك بعده ابنه.