تلقيح فهوم أهل الأثر

- بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أخبرنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الأوحد الْحَافِظ جمال الدّين فَخر الْأَئِمَّة شمس الشَّرِيعَة أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْجَوْزِيّ رَحمَه الله أذن لي فِي الرِّوَايَة عَنهُ قَالَ
الْحَمد لله على إحسانه وإفضاله حمدا كَمَا يَنْبَغِي لعز جَلَاله وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ فِي أَفعاله وَأَن عَبده الَّذِي اصطفاه على أضرابه وأشكاله وَمن على جَمِيع الْمُؤمنِينَ بإرساله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وأزواجه وَآله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
هَذَا كتاب ذكرت فِيهِ من السّير فنونا وَمن عُلُوم الحَدِيث عيُونا ليَكُون للمبتدي تبصرة وللمنتهي تذكرة وَالله الْمعِين على تَحْقِيقه فَمَا زَالَ جائدا بتوفيقه

(1/9)


ذكر أول الْمَخْلُوقَات
روى عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أول مَا خلق الله الْقَلَم وروى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ أَخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي فَقَالَ خلق الله عز وَجل التربه يَوْم السبت وَخلق الْجبَال فِيهَا يَوْم الْأَحَد وَخلق الشّجر فِيهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَخلق الْمَكْرُوه يَوْم الثُّلَاثَاء وَخلق النُّور يَوْم الْأَرْبَعَاء وَبث فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس وَخلق آدم بعد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة آخر الْخلق فِي آخر سَاعَة من سَاعَات الْجُمُعَة فِيمَا بَين الْعَصْر إِلَى اللَّيْل
قَالَ قَتَادَة الأَرْض عشرُون ألف فَرسَخ اثْنَا عشر ألفا عمرانة والبقية
وَقَالَ أَبُو الْجلد الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ اثْنَا عشر للسودان وَثَمَانِية للروم وَثَلَاثَة لفارس وَألف للْعَرَب
وَقَالَ ابْن كثير خلق الله ألف أمة فأسكن سِتّمائَة الْبَحْر وَأَرْبَعمِائَة الْبر

ذكر خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام
روى أَبُو مُوسَى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الله عز وَجل خلق آدم من قَبْضَة قبضهَا من جَمِيع الأَرْض فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض جَاءَ مِنْهُم الْأَبْيَض وَالْأسود والأحمر وَبَين ذَلِك والخبيث وَالطّيب والسهل والحزن وَبَين ذَلِك
وَقد ذكرنَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن الله خلق آدم بعد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة آخر الْخلق
وَقَالَ ابْن عَبَّاس مَا أسكن آدم الْجنَّة إِلَّا مَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس

ذكر عدد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ
روى أَبُو ذَر قَالَ قلت يَا رَسُول الله كم الْأَنْبِيَاء قَالَ مائَة ألف وَأَرْبَعَة

(1/10)


وَعِشْرُونَ ألفا قلت يَا رَسُول الله كم الْمُرْسل من ذَلِك قَالَ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر جما غفيرا قلت من كَانَ أَوَّلهمْ قَالَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام قلت يَا رَسُول الله أَنَبِي مُرْسل قَالَ نعم خلقه الله تَعَالَى بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه وسواه قبلا ثمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَر أَرْبَعَة سريانيون آدم وشيث وأخنوخ وَهُوَ إِدْرِيس وَهُوَ أول من خطّ بالقلم ونوح وَأَرْبَعَة من الْعَرَب هود وَشُعَيْب وَصَالح وَنَبِيك يَا أَبَا ذَر وَأول أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل مُوسَى وَآخرهمْ عِيسَى قلت يَا رَسُول الله كم كتاب أنزل الله عز وَجل قَالَ مائَة كتاب وَأَرْبَعَة كتب أنزل الله عز وَجل على شِيث خمسين صحيفَة وعَلى أَخْنُوخ ثَلَاثِينَ صحيفَة وعَلى إِبْرَاهِيم عشر صَحَائِف وَأنزل على مُوسَى قبل التَّوْرَاة عشر صَحَائِف وَأنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْفرْقَان قلت يَا رَسُول الله مَا كَانَت صحف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ أَمْثَالًا كلهَا
بَعَثْتُك لِترد عني دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنِّي لَا أردهَا وَلَو كَانَت من كَافِر قلت يَا رَسُول الله مَا كَانَت صحف مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ كَانَت عبرا كلهَا عجبت لمن أَيقَن بِالْمَوْتِ كَيفَ يفرح وَعَجِبت لمن أَيقَن بِالْقدرِ ثمَّ هُوَ ينصب وَعَجِبت لمن رأى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا بِأَهْلِهَا ثمَّ اطْمَأَن إِلَيْهَا وَعَجِبت لمن أَيقَن بِالْحِسَابِ غَدا ثمَّ لَا يعْمل
وَقد روى وهب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الرُّسُل ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر مِنْهُم عبرانيون وهم آدم وشيث وَإِدْرِيس ونوح وَإِبْرَاهِيم وَخَمْسَة من الْعَرَب وهم هود وَصَالح وَإِسْمَاعِيل وَشُعَيْب وَمُحَمّد
وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كل الْأَنْبِيَاء من بني إِسْرَائِيل إِلَّا عشرَة نوح وَهود وَلُوط وَصَالح وَشُعَيْب وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَيَعْقُوب وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله عَلَيْهِم وَلَيْسَ لنَبِيّ من بني إِسْرَائِيل إسمان إِلَّا عِيسَى الْمَسِيح وَيَعْقُوب إِسْرَائِيل
قَالَ شَيخنَا ابْن نَاصِر الْحَافِظ ولنبينا أَسمَاء كَثِيرَة وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة سيد الْأَنْبِيَاء خَمْسَة نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد وَهُوَ سيدهم
قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ كل أَسمَاء الْأَنْبِيَاء أَعْجَمِيَّة إِلَّا أَرْبَعَة آدم وَصَالح وَشُعَيْب وَمُحَمّد

(1/11)


ذكر تَرْتِيب كبار الْأَنْبِيَاء
كَانَ من بعد آدم شِيث عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ وَصِيّ آدم وَأنزل الله عَلَيْهِ خمسين صحيفَة قَالَ مُحَمَّد بن جرير وَإِلَى شِيث تَنْتَهِي أَنْسَاب بني آدم كلهم الْيَوْم وَذَلِكَ أَن نسل ولد آدم غير نسل شِيث انقرضوا فَلم يبْق مِنْهُم أحد ثمَّ كَانَ إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة وَكَانَ من بعد إِدْرِيس نوح ثمَّ هود ثمَّ صَالح ثمَّ إِبْرَاهِيم ثمَّ كَانَ لُقْمَان الْحَكِيم وَكَانَ مُوسَى بن مِيشَا ثمَّ من بعده مُوسَى بن عمرَان ثمَّ يُوشَع بن كالب بن يؤقنا ثمَّ حزقيل ثمَّ إلْيَاس ثمَّ طالوت الْملك ثمَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ سُلَيْمَان ثمَّ أَيُّوب ثمَّ يُونُس بن مَتى ثمَّ شعيا ثمَّ أمصيا ثمَّ زَكَرِيَّا وَيحيى وَعِيسَى وأرميا
وَكَانَ ذُو القرنين بَين عِيسَى وَمُحَمّد فِي الفترة
قَالَ المُصَنّف كَذَا ذكرُوا وَالصَّوَاب أَن ذَا القرنين كَانَ فِي زمن الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا أَن يَعْنِي بِهِ اليوناني

ذكر مَا بَين الْأَنْبِيَاء من السنين
روى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ من آدم إِلَى نوح ألفا سنة وَمِائَتَا سنة وَمن نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ سنة وَمن إِبْرَاهِيم إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخمْس وَسَبْعُونَ وَمن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَسَبْعُونَ وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وَثَلَاث وَخَمْسُونَ وَمن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِتّمائَة سنة
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق من آدم إِلَى نوح ألف وَمِائَتَا سنة وَمن نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَمن إِبْرَاهِيم إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة وَمن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَتسْعُونَ سنة وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وثلاثمائة وست وَخَمْسُونَ سنة وَمن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِتّمائَة سنة

(1/12)


وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة وَالْيَهُود تَقول إِنَّمَا هَذِه الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة
قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة مذ خلق الله آدم إِلَى أَن بعث مُحَمَّد خَمْسَة آلَاف سنة وَثَمَانمِائَة سنة

أَسمَاء من خلق من الْأَنْبِيَاء مختونا
حَدثنَا عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ هم ثَلَاثَة عشر آدم وشيث وَإِدْرِيس ونوح وسام وَلُوط ويوسف ومُوسَى وَشُعَيْب وَسليمَان وَيحيى وَعِيسَى وَالنَّبِيّ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب الْهَاشِمِي هم أَرْبَعَة عشر آدم وشيث ونوح وَهود وَصَالح وَلُوط وَشُعَيْب ويوسف ومُوسَى وَسليمَان وزَكَرِيا وَعِيسَى وحَنْظَلَة ابْن صَفْوَان نَبِي أَصْحَاب الرس وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ذكر مبدأ التَّارِيخ كَيفَ كَانَ
روى أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة عَن الشّعبِيّ وَالزهْرِيّ قَالَا لما أهبط آدم من الْجنَّة وانتشر وَلَده أرخ بنوه من هبوط آدم فَكَانَ ذَلِك التَّارِيخ حَتَّى بعث الله نوحًا فأرخوا مبعث نوح حَتَّى كَانَ الْغَرق فَكَانَ التَّارِيخ من الطوفان إِلَى نَار إِبْرَاهِيم فَلَمَّا كثر ولد إِسْمَاعِيل افْتَرَقُوا فأرخ بَنو إِسْحَاق من نَار إِبْرَاهِيم إِلَى مبعث يُوسُف وَمن مبعث يُوسُف إِلَى مبعث مُوسَى وَمن مبعث مُوسَى إِلَى ملك سُلَيْمَان وَمن ملك سُلَيْمَان إِلَى مبعث عِيسَى وَمن مبعث عِيسَى إِلَى أَن بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وأرخ بَنو إِسْمَاعِيل من نَار إِبْرَاهِيم إِلَى بِنَاء الْبَيْت وَمن بُنيان الْبَيْت حَتَّى تَفَرَّقت معد وَكَانَت للْعَرَب أَيَّام وأعلام يعدونها ثمَّ أَرخُوا من موت كَعْب بن لؤَي إِلَى عَام الْفِيل وَكَانَ التَّارِيخ من الْفِيل حَتَّى أرخ عمر بن الْخطاب من الْهِجْرَة وَإِنَّمَا أرخ عمر بعد سبع عشرَة سنة من مهاجرة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ الشّعبِيّ كتب أَبُو مُوسَى إِلَى عمر إِنَّه يأتينا من قبلك كتب لَيْسَ لَهَا تَارِيخ فأرخ فَاسْتَشَارَ عمر فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم أرخ لمبعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ بَعضهم لوفاته فَقَالَ عمر بل نؤرخ لمهاجر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن مهاجرته فرقت بَين الْحق وَالْبَاطِل فأرخ لذَلِك

(1/13)


وَقَالَ سعيد بن الْمسيب كتب التَّارِيخ بمشورة عَليّ قَالَ الْمَدَائِنِي وَاخْتلفُوا بِأَيّ شهر يبدأون فَقَالَ عُثْمَان أَرخُوا الْمحرم أول السّنة