الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

اللِّعان
قيل: هو مشتق من اللَّعن؛ لأنَّ كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في

(5/365)


الخامسة؛ إِنْ كان كاذباً.
وقال القاضي: سُمّي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذباً؛ فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإِبعاد، والأصل فيه قول الله -تعالى-: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم} الآيات (1).
وجاء في "سبل السلام" (3/ 362): "وهو مأخوذ من اللعن؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إِنْ كان من الكاذبين. ويقال فيه: اللعان والالتعان والملاعنة".

مشروعيته:
قال الله -تعالى-: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنّه لمن الصادقين * والخامسةُ أنّ لعنةَ الله عليه إِنْ كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين * والخامسةَ أنّ غضب الله عليها إِنْ كان من الصادقين} (2).
ويكون هذا حين يقذف الرجل امرأته بالزنى، وتُنكر ذلك.
عن ابن عباس "أنّ هلال بن أمية قذَف امرأته عند النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: البيّنة أو حدٌّ في ظهرك فقال: يا رسول الله! إِذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثَك بالحق إنِّي لصادق، فلَيُنزلنّ الله
__________
(1) انظر "المغني" (9/ 2).
(2) النور: 6 - 9.

(5/366)


ما يُبرّئ ظهري من الحدِّ، فنزَل جبريل وأنزَل عليه {والذين يرمون أزواجهم} فقرأ حتى بلغ: {إِنْ كان من الصادقين}، فانصرف النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأرسل إِليها، فجاء هلال فَشَهِدَ، والنّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: إِن الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثمّ قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إِنها مُوجبة.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أبصِروها، فإِنْ جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين (1)، خدلّج (2) الساقين؛ فهو لشريك بن سحماء؛ فجاءت به كذلك، فقال النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (3).

متى يكون اللّعان؟
*يكون اللعان في صورتين:
الصورة الأولى: أن يرميَ الرجل امرأته بالزنى، ولم يكن له أربعة شهود؛ يشهدون عليها بما رماها به.
الصورة الثانية: أن ينفيَ حَمْلها منه.
وإنما يجوز في الصورة الأولى إِذا تحقق من زناها؛ كان رآها تزني، أو أقرَّت
__________
(1) سابغ الأليتين: أي تأمَّهما وعظِيمهما "النهاية".
(2) الخَدْل والخدلَّج: الغليظ المُمتلئ السّاق، وانظر "النهاية".
(3) أخرجه البخاري: 4747، ومسلم: 1496.

(5/367)


هي، ووقع في نفسه صِدْقها، والأولَى في هذه الحال، أن يُطلّقها ولا يلاعنها، فإِذا تحقَّق مِنْ زناها، فإِنه لا يجوز له أن يرميَها به، ويكون نفي الحمل في حالة ما إِذا ادعى أنه لم يطأها أصلاً، من حين العقْد عليها* (1) [أو ادّعى أنّ هذا الوطء لم يجرّ حملاً ببينةٍ يُدليها].

صفة اللعان (2):

صفة اللعان: هو أن من قَذَف امرأته بالزِّنى هكذا مُطلقاً، أو بِإِنسانٍ سمَّاه فواجب على الحاكم أنْ يجمعهما في مجلسه، ثمَّ يسأله البيّنة على ما رماها به. فإِنْ أتى ببينة عدول أقيم عليها الحد.
فإِنْ لم يأت بالبيّنة قيل له: التَعِن. فيقول: بالله إِني لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، هكذا يكرر، بالله إِني لمن الصادقين، أربع مرات.
ثم يأمر الحاكم مَن يضَع يَده على فيه، ويقول له: إِنها موجبة؟ فإِنْ أبى، فإِنه يقول: وعليَّ لعنة الله إِن كنت من الكاذبين. فإذا أتمَّ هذا الكلام سقط عنه الحد لها، والذي رماها به.
فإن لم يلتعن حُدَّ حَدّ القذف [لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث اللعان المتقدِّم: "البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك"].
فإذا التَعن قيل لها: إِن التعنت وإلا حُدِدتِ حَدّ الزنى، فتقول: بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين،
__________
(1) ما بين نجمتين من "فقه السّنة" (3/ 85).
(2) عن "المحلى" (11/ 417) بحذف وتصرف يسير.

(5/368)


تُكرر بالله إِنه لمن الكاذبين، أربع مرات.
ثمّ تقول: وعليّ غضب الله إِنْ كان لمن الصادقين، ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة، ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله -تعالى- عليها، فإِذا قالت ذلك برئت من الحد، وانفسخ نكاحها منه، وحرُمت عليه أبد الآبد، لا تحل له أصلاً -لا بعد زوج ولا قبله- ولا وإِن أكذب نفسه، لكن إِن أكذب نفسه حُدّ فقط.

الحاكم هو الذي يقضي باللعان:
ويتبيّن مما سبق أنّ الحاكم هو الذي يقضي باللعان، وقد تقدّم حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في قذْف هلال بن أميّة امرأته عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشريك بن سحماء وفيه ما يدل على ذلك؛ إِذ كان اللعان بقضاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

اشتراط العقل والبلوغ:
يُشترط في اللعان: العقل والبلوغ في كُلٍّ من المتلاعِنَين:
عن عائشة -رضي الله عنها- إِن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (1).
وعن علي -رضي الله عنه- عن النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (2).
__________
(1) أخرجه أبو داود "صحيح سنن أبي داود" (3698)، وابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (1660)، وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في "الإرواء" (297)، وتقدّم.
(2) أخرجه أبو داود "صحيح سنن أبي داود" (3703)، وابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (1661)، والترمذي "صحيح سنن الترمذي" (1150)، وغيرهم وانظر "الإِرواء" (2/ 6)، وتقدّم.

(5/369)


وجاء في كتاب "الإِجماع" لابن المنذر (ص 85): "وأجمعوا أنّ الصبي إِذا قذف امرأته، أنه لا يُضرب، ولا يُلاعَن".

لعان الأخرسَيْن (1):
يشرع لِعان الأخرَسَيْن لقوله -تعالى-: {لا يُكلِّف الله نفساً إِلا وُسْعها}،
وليس في وسعه الكلام، فلا يجوز أن يُكلّف إِياه، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وإِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (2). فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله -تعالى- به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإِفهام بالإِشارة، فعليه أن يأتي بها. وكذلك من لا يحسن العربية؛ يلتعن بِلُغته بألفاظ يُعبِّر بها عما نص الله -تعالى- عليه".

مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إِتمامه:
إِذا قذَف الرجل امرأته بالزنى ثمّ امتنع عن اللعان أو لم يتمّه أو أكذب نفسه (3)؛ فعليه حدّ القَذف لقوله -تعالى-: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنه لمن الصادقين} (4).
فإِذا لم يُقم الشهادة التي أمر الله -تعالى- بها قُذِف للحديث المتقدّم:
__________
(1) انظر "المحلّى" (11/ 424).
(2) أخرجه البخاري: 7288، ومسلم: 1337.
(3) انظر "المحلّى" (11/ 418).
(4) النور: 6.

(5/370)


"البيّنة أو حدٌّ في ظهرك".
وإِذا كان الامتناع من الزوجة؛ أُقيمَ عليها حدّ الزنى.

ماذا يترتب على اللعان:
1 - بتمام الالتعان من الزوجين؛ يقع التَّفريق الأبدي، فعن سهل بن سعد قال: "مضت السّنة بَعْدُ في المتلاعِنَيْن: أن يُفَرَّق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً" (1).
وعن عمر -رضي الله عنه-: "المتلاعنان يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبداً" (2).
قال ابن حزم -رحمه الله- في "المحلّى" (11/ 423): "وقوله -عليه الصلاة والسلام- لا سبيل لك عليها، مَنْعٌ مِن أن يجتمعا أبدا بكل وجه، ولم يقل -عليه الصلاة والسلام- ذلك بنص الخبر إِلا بعد تمام التعانهما جميعاً، فلا يقع التفريق إِلا حينئذ.
2 - يأمر القاضي أن تُمسك المرأة عند ثقةٍ حتَّى تَلِد؛ عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- "أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعاصم بن عدي: أمسك المرأة (3) عندك؛ حتَّى تَلِد" (4).
__________
(1) أخرجه أبو داود "صحيح سنن أبي داود" (1969)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في "الإِرواء" (2104).
(2) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في "الإِرواء" (2105).
(3) وهي امرأة عويمر بن أشقر العجلانيّ.
(4) أخرجه أبو داود "صحيح سنن أبي داود" (1965).

(5/371)


3 - أمّا ما يتعلق بإِلحاق الولد؛ فإِنه حين ينفيه الرجل، يُلحق بأمِّه فيدعى لها فتَرِثه ويَرِث منها ما فرض الله -تعالى- له، وينتفي نسَبُه من أبيه فلا يدعى له، ولا تجب نفقته عليه، ولا توارث بينهما؛ وذلك لحديث سهل بن سعد ... وفيه: "قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنة بعدهما أن يُفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً، وكان ابنها يدعى لأمّه. قال: ثم جرت السُّنة في ميراثها أنها ترِثه ويرث منها ما فرض الله له" (1).
قال ابن حزم -رحمه الله- في "المحلّى" (11/ 418): "فإِنْ كانت المرأة الملاعنة حاملاً؛ فبتمام الالتعان منهما جميعاً ينتفي عنه الحمل -ذكَره أم لم يذكره- إِلا أن يُقرَّ به فيلحقه". انتهى.
وكذا إِذا أكذب نفسه؛ فإِنه يلحقه ويُدعى له.
مسألة: إِذا لم يُتمَّ الرجل اللعان أو تُتمّه هي، فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان لتوارثا، ولا معنى لتفريق الحاكم بينهما، أو لتركه، لكن بتمام اللعان تقع الفرقة (2).

آداب التطليق المستنبطة من الكتاب الكريم والسّنة الصحيحة (3)
الأدب الأول: هو رعاية المصلحة في إِيقاعه؛ بعد التروي والتحاكُم إِلى
__________
(1) أخرجه البخاري: 5309، ومسلم: 1492.
(2) انظر "المحلّى" (11/ 418) بتصرف يسير.
(3) عن كتاب "الاستئناس في تصحيح أنكحة الناس" للعلاّمة جمال الدين القاسمي -رحمه الله- بحذف.

(5/372)


حَكَمَين، فقد دلّ الكتاب الكريم على مشروعية ذلك عند شقاق الزوجين بإِرسال حَكَمَين من أهل الزوجين؛ يُؤْثِران الإِصلاح بالوفاق، على الفراق والطلاق، فينصحان الزوجين ويعظانهما ويؤذنانهما بمفاسد الطلاق ومَضرّاته وخراب ما بُني من المعيشة البيتية، وما يَعْقُبه من الندم ونفرة الحبّ القلبي، وغير ذلك من تَشتُّتِ شمْل البنين والبنات، وتجرّعهم غُصص الحسرات، حتى إِذا لم يُفد نصحهما وأخفَقَ سعيهما، ورأيا الخيرة لهما في الفراق، أَذِنا للزوج بالطلاق.
وهذا كله مستفاد من قوله -تعالى-: {وإِنْ خفتم شِقاق بينهما فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفق الله بينهما} (1) فلم يشرع -سبحانه وتعالى- للزوج أن يعجَل بالطلاق، وأن يبادر به سائق الهوى والهوَس بدون عمل بما أمر -تعالى- به وحَضَّ عليه.
ودلّ الأمر في قوله -تعالى-: {فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها} على أنّ إِرسال الحَكَم فرْض، لأنَّ الأمر للوجوب عند الأكثرين، والأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي -أعني التلبُّس بخلاف الأمر- يقضي الفساد وعدم الاعتداد كما تقرر في الأصول.
فإِذَنْ؛ من عَجَّل في الشِّقاق، وتلفَّظ بالطَّلاق بدون الرجوع إِلى التحاكم المأمور به؛ فقد تلبس بالمنهي عنه وعصى بمخالفة الأمر، وأمّا من عمل بالأمر ففوّض للحَكَمين الخيرة؛ فلم يجدا سبيلاً لائتلاف الزوجين، ولا طريقاً لجمع شملهما؛ فما جعل الله في ذلك من حرج؛ لقوله: {وإِن يتفرقا يُغنِ اللهُ كلاًّ من سَعته} (2).
__________
(1) النساء: 35.
(2) النساء: 130.

(5/373)


الأدب الثاني: إِيقاعه في حال الخوف من عدم إِقامة حدود الله، وذلك بأنْ تتضرّر المرأة من الرجل فترى منه ما يسوؤها؛ من قول أو فِعل أو أمر يستحيل معه صبرها عليه.
ومنه أن يترك معاشرتها بالمعروف ويتجافى الإِحسان إِليها، أو تُشاهد منه انكباباً على الفحشاء وعملاً بالمنكرات، أو إِغراءً لها بترك الواجبات، أو إِفساداً لصالح تربيتها بمشاهدة ما يأتيه من الموبقات، أو سعياً في إِيذائها بأنواع المضَرّات؛ فتخشى من بقائها على عصمته أن تبوء بإِثم الناشزة والهاجرة، وهي لا تطيق حالتئذٍ ملامسته بوجهٍ ما، وتأبى القُرب منه أشدّ الإِباء، ففي هذه الحالة شُرع مخالعتها؛ بأن تفتدي منه بما يتراضيان به، وإليه الإِشارة بقوله -تعالى-: {فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} (1).
وتدلّ الآية بمفهومها على أنهما إِذا كانا يقيمان حدود الله في الزوجية؛ فليس له أن يطلب مخالعتها بأخذ ما لا تطيب نفسها به، وليس لها أيضاً أن تفتكر في الاختلاع منه، لأن في ذلك إِفساداً لهما، وإصراراً بهما وبأولادهما -إِن كانوا- وإِنّ ذلك حينئذ من تعدّي حدود الله، أي: مجاوزتها.
ثمّ إِذا خلَعها من عصمته فهل يكون خلْعُه طلاقاً أو فَسْخاً؟ فذهب الجمهور إِلى الأول، وجعلوا عدّتها ثلاثة قروء، وذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع بنت معوِّذ وعمُّها -رضي الله عنهم- إِلى أنَّه فسْخ.
قال الإِمام ابن القيم: ولا يصح أنَّه طلاق البتَّة، وقد أمَر النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة
__________
(1) البقرة: 229.

(5/374)


ثابت بن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تعتدّ بحيضة واحدة (1)، وبه قضى عثمان -رضي الله عنه- (2) وإليه ذهب الإِمام إِسحاق بن راهويه والإِمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية.
قال: من نظر هذا القول وجَده مقتضى قواعد الشريعة، فإِنَّ العدة إِنما جُعلت ثلاث حيضٍ ليطول زمن الرّجعة ويتروّى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدّة. فإِذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمْل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، قال: ولا ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثاً، فإِنَّ باب الطلاق جعل حُكْم العدّة فيه واحدة بائنة ورجعية (3).
الأدب الثالث: أن لا يكون القصْدُ بإِيقاع الطلاق مضارَّة الزوجة، فإِنّ الضِّرار ممنوع شرعاً لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (4)، ولعموم آية: {ولا
__________
(1) أخرجه النسائي "صحيح سنن النسائي" (3272) ولفظه: عن ثابت بن قيس بن شمَّاس: "أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها -وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي- فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأرسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها".
(2) أخرجه ابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (1674)، والنسائي "صحيح سنن النسائي" (3273) ولفظه: "عن رُبيِّع بنت معوِّذ قالت: اختلَعْتُ من زوجي، ثمّ جئت عثمان، فسألتُهُ ماذا عليّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إِلا أن تكوني حديثة عهد به فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مريم المغاليّة؛ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه".
(3) انظر "زاد المعاد" (5/ 197) ونقله جمال الدين القاسي -رحمه الله- بتصرّف.
(4) أخرجه أحمد وابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (1895) وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا -رحمه الله- في "الإرواء" (896)، و"الصحيحة" (250).

(5/375)


تضاروهنّ} (1) ولقوله -تعالى-: {فإِن أطعْنكُم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً} (2).
وأعظم البغي على النساء تطليقهنّ للمُضارّة والتشفّي والإِيذاء وتخريب بنيان المعيشة.
وقد تنبه لهذا الأدب من رأى أنَّ تطليق المرأة في مرض الموت لا يمنعها من الإِرث، لأنه لما قصَد بطلاقها حرمانها من حقّها المشروع؛ عومل بنقيض قصْده عدلاً ورحمة من الشارع، فقد قال مالك: من حُجَّتنا في الذي يتزوج وهو مريض (3) أنه ليس له ميراث؛ لأنه يُمْنع أنْ يُطلِّق وهو مريض، فكَما يُمْنع من الطَّلاق وهو مريض لحقّ امرأته في الثُّمن؛ فإِنَّه لا ينبغي أن يدخل عليها من يَنقصُها من ثُمنها.
قال ابن رشد: هذا بيِّن لأن المعنى الذي من أجله لم يجز أن يطلق في المرض موجود في النكاح، فلا يجوز له أن يُدخل وارثاً على ورثته؛ كما لا يجوز أن يخرج عنهم وارثاً.
الأدب الرابع: أن يُطلّق لداعٍ لا يتأتّى معه اتخاذها زوجة، كأن يراها لا تردّ يد لامس (4)، أو لا تؤمَّن على مالٍ ولا سرّ، أو لا تحفظ نظام بيته ورعاية حرمته،
__________
(1) الطلاق: 6.
(2) النساء: 34.
(3) أقول: ليس للرجل أنْ يُطلِّق أو يَنكَح، في مرض الموت لِيَنقص أو ليمنع الميراث؛ ولكنْ له أنْ يَنكح أو يُطلِّق في مرضه إِذا كان له مصلحة في أيٍّ منهما -والله تعالى أعلم-.
(4) قيل: إِنها تُعطي من ماله من يطلب منها، وقيل غير ذلك.

(5/376)


أو لا تستجيب لطاعته، إِلى غير ذلك من الأخلاق الفاسدة التي تحقق أنها صارت مَلَكَةً راسخة فيها مُرِّنت عليها وانطبعت فيها، فلا جَرَمَ أنها حينئذ جرثومة النكد، ومادة النقص، ومباءة الفساد والإِفساد للمروءة والدين والدنيا، فمثل هذه المشؤومة مما يُشرع طلاقها ويُندب إِنْ لم يجب، وقد ورد في هذا ما أخرجه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس -رضي الله- أنه قال: "الطلاق عن وطر" (1).
قال الحافظ ابن حجر: أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يُطلِّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنشوز.
وقال الإِمام ابن القيّم في "إِعلام الموقعين": "معنى قول ابن عباس: إِنما الطلاق عن وطَر؛ أي: عن غرض من المطلِّق في وقوعه".
الأدب الخامس: أنْ لا يُطلِّق ثلاثاً دفعة واحدة ....... (2).
قال ابن القيّم: ". ... [فإِن الله -تعالى- أراد من المرء] أن يُطلّق طلاقاً يملك فيه ردّ المرأة إِذا شاء، فطلّق طلاقاً يريد به أن لا يملك فيه ردّها، وأيضاً فإِن إِيقاعه الثلاثَ دفعةً مخالفٌ لقوله -تعالى-: {الطلاق مرتان} (3)، والمرتان والمرّات في لغة القرآن والسّنة -بل ولغة العرب بل ولغة سائر الأمم- لِما كان مرة بعد مرة، فإِذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة؛ فقد تعدى حدود الله -تعالى- وما دلّ عليه كتابه، فكيف إِذا أراد باللفظ الذي رتَّب عليه الشارع حُكماً ضد
__________
(1) تقدَّم.
(2) حذفْتُ الحديث الذي ذكَره لعدم ثبوته.
(3) البقرة: 229.

(5/377)


ما قصَده الشارع.
الأدب السادس: أن يُشهد على الطَّلاق، لقوله -تعالى-: {يا أيها النّبيّ إذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ وأحصوا العدّة} إِلى قوله: {فإِذا بلغْن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} (1)، فأمَر بالإِشهاد على الرجعة -وهو الإِمساك بمعروف- وعلى الطلاق -وهو المفارقة بمعروف-.
الأدب السابع: أن لا يكون في حالة الغضب لحديث: "لا طلاق في إِغلاق" (2).
الأدب الثامن: أن ينوي الطلاق لحديث: "إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فإِنّ الحديث هو الكلِّيُّ الأعظم في أبواب من الشريعة، قال الحافظ ابن حجر: إِنّ الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر. انتهى.
وأصله من قوله -تعالى-: {وإنْ عزموا الطَّلاق فإِنّ الله سميع عليم} (3) فمن لم يعزم الطلاق بأنْ علّقه أو عبث به؛ لم يُطلّق الطَّلاق المشروع.
الأدب التاسع: أن يكون التطليق مأذوناً فيه من جهة الشارع، فلا يكون محرّماً مبتدعاً، بل مأموراً به، وذلك بمعرفة زمان التطليق لقوله -تعالى-:
__________
(1) الطلاق: 1 - 2.
(2) أخرجه أحمد وأبو داود "صحيح سنن أبي داود" (1919)، وابن ماجه "صحيح سنن ابن ماجه" (1665) والحاكم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في "الإِرواء" (2047).
(3) البقرة: 227.

(5/378)


{يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ} أي: لاستقبال عدتهن، يعني: أن يُطلَّقن في وقت يتعقبه شروعهنّ في العدة، وذلك أن تطلّق في طُهر لم تُجامَع فيه.
وأمّا طلاقها في حال الحيض فهو محرّم بالكتاب والسنّة والإِجماع (1)، وليس في تحريمه نزاع، ولهذا أمَر النّبيّ -صلوات الله عليه- عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- لما طلّق امرأته في الحيض أن يراجعها (2)، وتلا عليه هذه الآية تفسيراً للمراد بها؛ إِيذاناً بأن الطلاق لم يُشرع في حيض ولا في طهر وُطِئت فيه، وإنما شرع للعدَّة، وهو أن يطلِّقها في طُهرٍ من غير جماع.
وفي "المدونة" عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من أراد أن يُطلِّق للسُّنّة فليطلق امرأته طاهراً في غير جماع تطليقة، ثم ليدَعْها، فإِذا أراد أن يراجعها راجعَها، وإن حاضت ثلاث حيض كان بائناً، وكان خاطباً من الخطَّاب".
قال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-: وأصْل هذا أنّ الله -سبحانه وتعالى- لمّا كان يبغض الطلاق (3)، لما فيه من كسْر الزوجة، وموافقة رضا عدوه إِبليس، ومفارقة طاعته -تعالى- بالنكاح الذي هو واجب أو مستحبٌّ، وتعريض كلٍّ
__________
(1) وتقدَّم تفصيله.
(2) أخرجه البخاري: 5251، ومسلم: 1471.
(3) لا يقصد ابن القيّم -رحمه الله- هذا بإِطلاق، لأن الطلاق واجب في بعض الحالات كما لا يخفى، أمّا حديث: "أبغض الحلال إِلى الله الطلاق" فإِنّه ضعيف، وانظر "الإِرواء" (2040).

(5/379)


من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد الطلاق، وكان مع ذلك قد يحتاج إِليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه؛ شَرَعَهُ على وجهٍ تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرَّمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه، وأقْربِها لمصلحة الزوج والزوجة، فشرع له أن يطلّقها طاهراً من غير جماع طلقة واحدة؛ ثمّ يدعها حتى تنقضي عدتها، فإِنْ زال الشّرّ بينهما وحصلت الموافقة؛ كان له سبيل إِلى لمِّ الشعث وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى تنقضي عدَّتها، فإِنْ تبعَتها نفسه؛ كان له سبيل إِلى خِطبتها وتجديد العقد عليها برضاها، وإنْ لم تتبعها نفسه؛ تركَها فنكحت من شاءت، وجعل العدّة ثلاثة قروء؛ ليطول زمن المهلة والاختيار.
فهذا هو الذي شرَعه وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إِلا بالتراضي بالفسخ والافتداء، فإِذا طلَّقها مرةً بعد مرةٍ بقي له طلقةٌ واحدة، فإِذا طلقها الثالثة حرَّمها عليه عقوبة له، ولم يحلَّ له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها ثمّ يفارقها بموت أو طلاق، فإِذا عدمِ أن حبيبه يصير إِلى غيره فيحظى به دونه؛ أمسك عن الطلاق. انتهى ملخصاً.
الأدب العاشر: التطليق بإِحسان، لا بإِساءة ولا فحش من الكلام ولا بغي ولا عدوان، فإِن الله -تعالى- أمَر بالإِحسان في كل شيء، قال -تعالى-: {الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان} وقد روى ابن جرير "أنّ ابن عباس سئل عن معنى الآية فقال: ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئاً".
وقال الضحاك: التسريح بإِحسان أن يعطيها مهراً إِنْ كان لها عليه إِذا

(5/380)


طلّقها، والمتعة قدر الميسرة.
ونظير هذه الآية آية: {فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف} (1).
وآية: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (2).
فتأمّل هذا الوعيد الشديد لمن اتخذ آيات الله هُزواً أي: اتخذ ما بيّنه من حلاله وحرامه، وأمْره ونهْيه؛ في أمر الإِمساك والتسريح مهزوءاً به؛ بأنْ خالفَه وعصاه ولم يَحْفِلْ به، فضيّعه وتعدّى حدوده، وكيف سجَّل عليه بأنه ظلم نفسه؛ فأكسبها إِثماً وأوجب لها من الله عقوبةً! وتدبر كيف أمَرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم بما أمرهم به ونهاهم عنه؛ مما فيه سعادتهم وفلاحهم!
وفي معنى هذه الآيات قوله -تعالى-: {وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقّاً على المُتقين} (3) قال ابن جرير: يعني -تعالى- بذلك أنّ لمن طُلِّق من النساء على مُطلِّقها من الأزواج متاعاً -وهو ما يستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم أو غير ذلك مما يُستمتع به- وأكَّد ذلك بقوله: {حقّاً على المتقين}
__________
(1) الطلاق: 2.
(2) البقرة: 231.
(3) البقرة: 241.

(5/381)


وهم الذي اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلّفهم القيام بها؛ خشيةً منهم له ووجلاً منهم من عقابه. انتهى
وكذلك قوله -تعالى-: {ومتّعوهنّ على الموسع قدَرُه وعلى المُقْتِرِ قدَرُه} (1) فأمر -تعالى- المطلِّقين إِذا طلَّقوا الطَّلاق المأذون فيه -وهو المستوفي شروطه- أن يُسرِّحوا نساءهم راضيات عنهم، داعيات لهم، ذاكرات لجميلهم ومعروفهم وإِحسانهم، وذلك بأن يحسن إِليهن بما يتمتعن به على قدر اليُسر والعُسر.
وأكّد ذلك أيضاً بقوله: {متاعاً بالمعروف حقّاً على المحسنين} (2) فجعل ذلك حقاً لازماً على الذين يحسنون إِلى أنفسهم في المسارعة إِلى طاعة الله؛ فيما ألزمهم به وأدائهم ما كلفهم من فرائضه، ويحسنون إِلى المطلقات بالتمتيع على الوجه الذي يحسُن في الشرع والمروءة.
فأين المسلمون من هذه الآداب؟ وما عراهم (3) حتى هجروا أحكام الكتاب! تالله إِنّ القلب يكاد يتفطر ألماً، والعين تدمع دماً على ما أصبحوا فيه من الجهل، ولا من سائق لهم إِلى الفقه والعلم، حتى أصبحت محاكم القضاة تياراً لأمواج شكايات المظلومات، وميداناً لجولان دعاوى الزوجات، حتى صار المسلمون ببغيهم في الطلاق وهضعم حقوق الأزواج عاراً على الإِسلام، وفتنة لسواهم من الأقوام!! {ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إِنك أنت العزيز الحكيم} (4).
__________
(1) البقرة: 236.
(2) البقرة: 236.
(3) أي: أصابهم.
(4) الممتحنة: 5.

(5/382)