الروض الأنف ت السلامي

حديث إسلام سلمان رضي الله عنه
كان سلمان مجوسياً، فمر بكنيسة فتطلع إلى النصرانية:
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس، قال حدثني "سلمان الفارسي من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها: جي، وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه لم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها، لا يتركها تخبو ساعة. قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها، فاطلعها - وأمرني فيها ببعض ما يريد - ثم قال لي: ولا تحتبس عني ; فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري. قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون
ـــــــ
حديث سلمان:
فصل: وذكر حديث سلمان بطوله وقال كنت من أهل أصبهان هكذا قيده

(2/217)


وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها، ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت؟ أولم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال قلت له يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك، ودين آبائك خير منه قال قلت له كلا والله إنه لخير من ديننا. قال فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثم حبسني في بيته.
اتفاق سلمان والنصارى على الهرب:
قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم قال فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة.
سلمان وأسقف النصارى السيء:
قال فجئته، فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين فأحببت أن أكون معك،
ـــــــ
البكري في كتاب "المعجم" بالكسر في الهمزة وإصبه بالعربية فرس وقيل هو العسكر فمعنى الكلمة موضع العسكر أو الخيل1 أو نحو هذا. وليس في
ـــــــ
1 في "معجم البكري": إصبه بلسان الفرس: البلد, وهان: الفرس, فمعناه: بلد الفرسان, وفي "المراصد": إنها لفظ معرب من سباهان بمعنى: الجيش. وإصبهان: مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن أعيانها.

(2/218)


وأخدمك في كنيستك، فأتعلم منك، وأصلي معك، قال ادخل فدخلت معه. قال وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها1 اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق. قال فأبغضته بغضا شديدا، لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت إليه النصارى، ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها، اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا. قال فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ قال قلت لهم أنا أدلكم على كنزه قالوا: فدلنا عليه قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا. قال فصلبوه ورجموه بالحجارة وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه.
ـــــــ
حديث سلمان على طوله إشكال ووقع في الأصل في هذا الحديث فلما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استدبرته، ورأيت في حاشية الشيخ أستدير به وكذلك وقع فيه أحييها له بالفقير وفي حاشية الشيخ الوجه التفقير.
أسماء النخلة:
والفقير للنخلة2. يقال لها في الكرمة حيية وجمعها: حيايا، وهي الحفيرة وإذا خرجت النخلة من النواة فهي عريسة ثم يقال لها: ودية ثم فسيلة ثم أشاءة فإذا فاتت اليد فهي جبارة وهي العضيد والكتيلة ويقال للتي لم تخرج من النواة لكنها اجتثت من جنب أمها: قلعة وجثيثة وهي الجثائث والهراء ويقال للنخلة الطويلة عوانة بلغة عمان، وعيدانة بلغة غيرهم وهي فيعالة من عدن3 بالمكان واختلف فيها قول صاحب كتاب عين فجعلها تارة فيعالة
ـــــــ
1 في سائر الأصول: "فيهم", وهو تحريف.
2 في "تفسير السيرة" للخشني: أحييها له بالفقر, أي بالحفر والغرس, بقال: فقر الأرض: إذا حفرها, وقال الوقشي: الصواب هنا: التفقير, وأراد هنا: المصدر.
3 لزم المكان فلم يبرحه.

(2/219)


سلمان والأسقف الصالح:
قال: يقول سلمان فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه كان أفضل منه وأزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه. قال فأحببته حبا لم أحبه قبله مثله. قال فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة فقلت له يا فلان إني قد كنت معك، وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به.
سلمان وصاحبه بالموصل:
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره قال فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به.
ـــــــ
من عدن، ثم جعلها في باب المعتل العين فعلانة.
ومن الفسيلة حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها1" من مصنف حماد بن سلمة. والذين صحبوا سلمان من النصارى كانوا على الحق على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ثلاثين يداولونه سيدا بعد سيد2.
ـــــــ
1 رواه أحمد في "مسنده", والبخاري في "الأدب المفرد", وقال السيوطي: ضعيف.
2 في "البخاري": تداول سليمان بضعة عشر من رب إلى رب.

(2/220)


سلمان وصاحبه بنصيبين:
فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحباي فقال أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه. فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا.
سلمان وصاحبه بعمورية:
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية ، فأخبرته خبري، فقال أقم عندي، فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة. قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي به؟ وبم تأمرني؟ قال أي بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
سلمان ونقلته إلى وادي القرى ثم إلى المدينة، وسماعه ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم:
قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من
ـــــــ
من فقه حديث سلمان:
وذكر في آخر الحديث أنه جمع شيئا، فجاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليختبره أيأكل الصدقة أم لا، فلم يسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحر أنت أم عبد ولا: من أين لك هذا، ففي هذا من الفقه قبول الهدية وترك سؤال المهدي، وكذلك الصدقة.

(2/221)


كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب ، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل يهودي عبدا، فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق في نفسي، فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة ، فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأس عذق1 لسيدي أعمل له في بعض العمل وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء2 على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي".
نسب قيلة:
قال ابن هشام: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أم الأوس والخزرج.
قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوس والخزرج:
بها ليل من أولاد قيلة لم يجد ... عليهم خليط في مخالطة عتبا
مساميح أبطال يراحون للندى ... يرون عليهم فعل آبائهم نحبا
وهذان البيتان في قصيدة له:
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس، قال قال سلمان: "فلما سمعتها أخذتني العرواء" فقال
ـــــــ
1 العذق: (بالفتح): النخلة. والعذق (بالكسر): الكباسة.
2 قباء (بالضم) أصله اسم بئر عرفي القرية به, وهي مساكن بني عمرو من الأنصار, وتقع قرية قباء على ميلين من المدينة. راجع "معجم البلدان".

(2/222)


ابن هشام: العرواء الرعدة من البرد والانتفاض "فإن كان مع ذلك عرق فهي الرحضاء وكلاهما ممدود - حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.
سلمان بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم بهديته يستوثق:
قال وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء قد كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه كلوا، وأمسك يده فلم يأكل . قال فقلت في نفسي: هذه واحدة. قال ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ثم جئته به فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة فهذه هدية أكرمتك بها. قال فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال فقلت في نفسي: هاتان ثنتان قال ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ببقيع الغرقد1 قد تبع جنازة رجل من أصحابه علي شملتان2 لي، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استدبرته3، عرف أني أستثبت في شيء
ـــــــ
حكم الصدقة للنبي ومصدر مال سلمان:
وفي الحديث: " من قدم إليه طعام فليأكل ولا يسأل" . وذكر أبو عبيد في كتاب "الأموال" حديث سلمان حجة على من قال إن العبد لا يملك وقال لو كان لا
ـــــــ
1 بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة, وهي داخل المدينة.
2 الشملة: الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان, أي يلتحف به.
3 ويروى: "أستدير به".

(2/223)


وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت فجلست بين يديه فقصصت عليه حديثي، كما حدثتك يا بن عباس فأعجب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدر وأحد.
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان بالمكاتبة ليخلص من الرق:
قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "كاتب يا سلمان" فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه "أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشر يعين الرجل بقدر ما عنده" حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فأتني، أكن أنا أضعها بيدي". قال ففقرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معي إليها، فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه
ـــــــ
يملك ما قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقته ولا قال لأصحابه "كلوا صدقته" ذكر غير ابن إسحاق في حديث سلمان الوجه الذي جمع منه سلمان ما أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال قال سلمان كنت عبدا لامرأة فسألت سيدتي أن تهب لي يوما، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر وجئت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رأيته لا يأكل الصدقة سألت سيدتي أن تهب لي يوما آخر فعملت فيه على ذلك ثم جئت به هدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقبله وأكل منه" فبين في هذه الرواية الوجه الذي جمع منه سلمان ما ذكر في حديث ابن إسحاق، والصدقة التي قال النبي عليه السلام "لا تحل لمحمد ولا لآل محمد هي المفروضة دون التطوع" قاله الشافعي، غير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن تحل له صدقة الفرض ولا التطوع وهو معنى قول مالك.
وقال الثوري: "لا تحل الصدقة لآل محمد فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم لأن مولى القوم من أنفسهم" بذلك جاء الحديث. وقال مالك تحل لمواليهم وقالت جماعة منهم أبو يوسف: لا تحل لآل محمد صدقة غيرهم وتحل لهم صدقة

(2/224)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده حتى فرغنا. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. قال فأديت النخل وبقي علي المال. فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب؟ قال فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان. قال قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ فقال خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك. قال فأخذتها، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم منها، وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الخندق حرا، ثم لم يفتني معه مشهد".
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن "رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت: وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها. فأخذتها، فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية".
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان، قال حدثت عن "سلمان الفارسي: أنه قال:
سلمان والرجل الذي كان يخرج بين غيضتين بعمورية:
لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره خبره إن
ـــــــ
<376بعضهم على بعض وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب1.
أول من مات بعد الهجرة:
وقول سلمان فأتيت رسول الله وهو في جنازة بعض أصحابه. صاحبه الذي مات في تلك الأيام كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الطبري: أول من
ـــــــ
1 في حديث رواه المسلم: "إنا لا نأكل الصدقة" , وفي رواية لأحمد: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". يقول القسطلاني: الحكمة في ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس. انظر "المواهب اللدنية" 5/220.

(2/225)


صاحب عمورية قال له ائت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا، يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي، فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى أتيت حيث وصف لي، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفي وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه. قال فتناولته: فقال من هذا؟ والتفت إلي فقلت: يرحمك الله، أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم. قال إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه. قال ثم دخل. قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسلمان "لئن كنت صدقتني يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم" على نبينا وعليه السلام.
ـــــــ
مات من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة بأيام قليلة كلثوم بن الهدم1، ثم مات بعده أسعد بن زرارة.
فصل: وذكر ابن إسحاق في مكاتبة سلمان أنه فقر لثلاثمائة ودية أي حفر وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعها كلها بيده فلم تمت منها ودية واحدة وذكر البخاري حديث سلمان كما ذكره ابن إسحاق غير أنه ذكر أن سلمان غرس بيده ودية واحدة وغرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائرها، فعاشت كلها إلا التي غرس سلمان. هذا معنى حديث البخاري.
أسطورة نزول عيسى قبل بعثة النبي:
فصل: وذكر عن داود بن الحصين قال حدثني من لا أتهم عن عمر بن
ـــــــ
1 ابن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن ما لك بن الأوس الأنصاري الأوسي, ذكر ابن عقبة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه بقباء أول ما قدم على المدينة.

(2/226)


ـــــــ
عبد العزيز قال قال سلمان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر خبر الرجل الذي كان يخرج مستجيزا من غيضة إلى غيضة ويلقاه الناس بمرضاهم فلا يدعو لمريض إلا شفي وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إن كنت صدقتني يا سلمان فقد رأيت عيسى ابن مريم". إسناد هذا الحديث مقطوع وفيه رجل مجهول ويقال إن ذلك الرجل هو الحسن بن عمارة1، وهو ضعيف بإجماع منهم فإن صح الحديث فلا نكارة في متنه فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه السلام نزل بعدما رفع وأمه وامرأة أخرى عند الجذع الذي فيه الصليب يتكئان2 فكلمهما، وأخبرهما أنه لم يقتل وأن الله رفعه وأرسل إلى الحواريين ووجههم إلى البلاد وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا، ولكن لا يعلم أنه هو حتى ينزل النزول الظاهر فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح والله أعلم ويروى أنه إذا نزل تزوج امرأة من جذام، ويدفن إذا مات في الروضة التي فيها النبي عليه السلام.
ـــــــ
1 قيل عن الرجل المبهم إنه شيخ عاصم بن عمر بن قتادة, والحديث منقطع بين عمر بن عبد العزيز وسليمان رضي الله عنهما.
2 هذا افتراء لا يجوز ترديده ولنتدبر قوله تعالى: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم:33].

(2/227)