إنباء الغمر بأبناء العمر

سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة
استهلت والخليفة المتوكل المعتضد محمد بن المكتفي بن الحاكم العباسي، وسلطان الديار المصرية الأشرف شعبان بن الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف بن الملك المنصور قلاوون النجمي الصالحي، ومدبر المملكة منكلي بغا، والدوادار الكبير طشتمر ونائبه بدمشق منجك ونائبه بحلب اشقتمر، ثم نقل عن قريب لطرابلس واسنقر ايدمر وصاحب مكة عجلان بن رميثة الحسنى وسيأتي نسبه في سنة وفاته، وصاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والتحية والإكرام عطية بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني،

(1/6)


وصاحب البلاد اليمنية الأفضل عباس بن المجاهد على ابن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول وصاحب ماردين الملك المظفر داود بن الصالح محمود بن المغان بن الأتعى وصاحب حصن كيفا الملك الصالح أبو بكر بن العادل غازي بن العادل مجير الدين محمد بن الكامل أبي بكر بن الموحد عبد الله بن المعظم توران شاه بن الصالح أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وصاحب الروم مراد بك بن عثمان التركماني، وصاحب العراق أويس بن الشيخ حسين بن آقبغاء ونائبه على تبريز ولده السلطان حسين، وصاحب أرزن الروم القاهر علي بن المنصور جلال الدين ابن عماد الدين السلجوقي، وصاحب خراسان وبلاد العجم والشرق تيمور الملقب باللنك وقد عاث فيها بالنهب والتخريب،

(1/7)


وصاحب فاس أبو فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني، وصاحب الأندلس بن الأحمر وصاحب تلمسان الحفصى، وصاحب تونس.
والقضاة بمصر الشافعي البهاء أبو البقاء والحنفي السراج الهندي، والمالكي البرهان الأخنائي، والحنبلي نصر الله وكاتب السر البدر بن فضل الله، وناظر الجيش محب الدين، والوزير فخر الدين بن التاج موسى بن أبي شاكر وقضاة دمشق الشافعي الكمال العزى، والحنفي نجم الدين بن العز والمالكي الزين بن الماروني والحنبلي علاء الدين العسقلاني،

(1/8)


وكاتب السر فتح الدين ابن الشهيد، وناظر الجيش تاج الدين بن مشكور، والوزير تاج الدين بن شمس الدين بن التاج.
فمن الحوادث في هذه السنة كائنة شمس الدين الركراكي أحد الفضلاء المالكية وكان من الطلبة بالشيخونية فوقع بينه وبين شيخها أكمل الدين فقام عليه ورفعه للحكام وادعى عليه بما يقدح في الشريعة وعقد له مجلس لذلك عند الجاي ثم حقن دمه ونفى إلى الشام ثم آل أمره إلى أن ولى قضاء المالكية بعد مدة كما سيأتي.
وفيها كائنة بعادة القبطى مشارف المواريث الحشرية ادعى عليه بأشياء منها أنه يديم ترك الصلاة فحكم بعض المالكية بقتله فقتل وطيف برأسه وكان الرهوني

(1/9)


قد تعصب له وأفتى بحقن دمه فلم يقبل منه، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
أضحى بعادة يخفي ... كفراً ويبدي عناده.
ولو تشهد قالوا ... والله ماذا بعاده.
وفيها زاد النيل زيادة مفرطة وثبت إلى أيام من هاتور فاجتمع جماعة بالجامع الأزهر وبجامع عمرو وسألوا الله تعالى في هبوطه وكرروا ذلك فهبط وزرع الناس، وقال في ذلك شهاب الدين بن العطار مقاطيع، وشهاب الدين بن أبي حجلة مقامته المشهورة وفيها أمر السلطان الأشراف أن يمتازوا عن الناس بعصائب خضر على العمائم ففعل ذلك في مصر والشام وغيرهما. وفي ذلك يقول أبو عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب.

(1/10)


جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر.
نور النبوة في كريم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر.
قال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره ومن أحسنها قول الأديب شمس الدين محمد ابن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزين وأنشدني إياه إجازة.
أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف.
والأشراف السلطان خصصهم بها ... شرفاً ليفرقهم من الأطراف.
وفي صفر استقر شرف الدين موسى بن أرقطاي في نيابة صفد عوضاً عن علم الدار.
وفيها استقر شمس الدين بن الصائغ الحنفي في قضاء العسكر وتدريس جامع ابن طولون عوضاً عن بهاء الدين السبكي

(1/11)


واستقر كمال الدين السبكي
في إفتاء دار العدل عوضاً عن بهاء الدين أيضاً واستقر قي تدريس الشيخونية عوضاً عنه الشيخ ضياء الدين القرمي العفيفي.
وفيها استقر القاضي برهان الدين بن جماعة في قضاء الشافعية عوضاً عن أبي البقاء السبكي.
وكان ابتداء ذلك أن القاضي برهان الدين الأخناي بحث مع أبي البقاء فقال له أبو البقاء: لو كان مالك حياً لناظرته في هذه المسألة أو نحو ذلك، فزبره البرهان وقال: لو غيرك قالها لأوقعت فيه الفعل وتفارقا. فاتفق أن السلطان عزل أبا البقاء عقب ذلك عزلاً فاحشاً فاستقر في الأذهان أن ذلك ببركة الإمام مالك، وكانت صورة عزله أنه حضر دار العدل على العادة في ذلك الوقت فجاء شخص إلى أبي البقاء

(1/12)


فأسر إليه كلاماً ثم التفت إلى رفقته من القضاة فقال لهم: إن السلطان عزله وأمره بلزوم بيته، ففعل ذلك واستمر المنصب شاغراً إلى أن وصل الخطيب برهان الدين بن جماعة في خامس جمادى الآخرة وكان برهان الدين حين عزل أبو البقاء بدمشق زائراً لأهله من ربيع الأول ورجع بعد خمسين يوماً بعد أن فوض له النائب نظر القدس والخليل فخالفه البريدي في الطريق فأمره النائب بلحاقه إلى القدس فلحقه فخطب في السادس عشر من جمادى الآخرة خطبة بليغة تعرض فيها لتوديعهم فأبكاهم وتوجه على البريد، فلما اجتمع بالسلطان عرض عليه المنصب فاشترط شروطاً كثيرة فالتزم له السلطان بها ولبس الخلعة وركب مع الحجاب والقضاة على العادة ومشى معه الجاي اليوسفي والامير الكبير إلى باب القلعة وركب في حشمة عظيمة وأبهة زائدة، فراح الناس إلى تهنئته حتى القاضي المعزول فرحا منه به لعلمه برياسته، وحسن سياسته. وقرأت بخط القاضي تقي الدين الزبيري وأجازنيه: كان منكلي بغا نائب السلطنة يعظم القاضي بهاء الدين السبكي. ولما عزل كان في الصيد، فلما بلغه لم يسهل به، فلما عاد من الصيد اجتمع به بهاء الدين فأشار إليه أن يستقر قاضي الشام فامتنع فغضب منه، وكان منكلي بغا يبغض المعزى لما يعتمده من تناول الرشوة فكان يحب عزله، فلما لم يوافقه بهاء الدين غضب منه فعزله من تدريس الفقه بالمنصورية وعزل ابنه بدر الدين من تدريس الحديث بالقبة وكان استقر فيه بعد موفق الدين وقرر في الفقه شمس الدين

(1/13)


التبريزي في الحديث ابن مرزوق التلمساني، فلما مات واستقر الجاي ناظر المارستان أعادهما إلى الوظيفتين وكان منكلي بغا يقوم في حق القاضي بهاء الدين القيام التام حتى أنه لما عزل طلب أمين الحكم وألزم بعمل المحاسبة وكشف المودع وندب بدر الدين بن الخشاب للتنقيب على تصرف بهاء الدين فحضر منكلي بغا يوم الموعد إلى المدرسة الصالحية وكشف المودع بحضرته فلم يظهر على بهاء الدين شيء.
وفيها في أواخر شهر رجب قرر القاضي بهاء الدين أبو البقاء في قضاء الشام عوضاً عن كمال الدين المعزى فبلغه ذلك فسافر إلى الحج ثم استعفى أبو البقاء فأعفى وأرسلت إلى المعزى خلعة الاستمرار، فبلغه ذلك بعد أن وصل إلى بصرى وأن البريدي واصل إليه بخلعة الاستمرار فترك الحج ولاقى البريدي ولبس الخلعة واستمر في قضاء دمشق.
وفيها أراد السراج الهندي قاضي الحنفية أن يساوي قاضي الشافعية في لبس الطرحة وتولية القضاة في البلاد وتقرير مودع الأيتام فأجيب إلى ذلك، فاتفق أنه توعك عقب ذلك وطال مرضه إلى أن مات في رجب ولم يتم له الذي أراده، واستقر عوضه صدر الدين بن التركماني.

(1/14)


وفيها استجد الملك الأشرف عند طلوعه من سرحة الأهرام أن يلبس الأمراء الكبار أقبية حرير بسمور وأطرزة مزركشة عراض ومن دونهم بأقبية حرير بقاقم ومن دونهم بسنجاب والجميع بأطرزة متفاوتة وألحق مقدم المماليك وهو يومئذ سابق الدين مثقال بكبار الخاصكية في ذلك وهو أول من وقع له ذلك من مقدمي المماليك. وفيها كملت عمارة حمام منجك ببصرى ومدرسة زين الدين الأسعردي بدمشق. وفيها أحدثت خطبة بخان السلطان العتيق بدمشق. وفيها تنازع عماد الدين الحسباني

(1/15)


وشهاب الدين الزهري فقهاء الشام في تدريس الجاروخية، وكان زين الدين الجعفري قد نزل عنها للعماد فباشرها ثم انتزعها منه الزهري ثم استعادها العماد واستقرت معه.
وفي أول يوم من جمادى الآخرة وصل قود نائب الشام منجك يشتمل على شيء كثير جداً حتى اتفق أهل المعرفة أنه لم يتقدمه بمثل ذلك نائب، ومن جملة ما كان فيه أسدان وضبع وإبل ونحو الخمسين من الكلاب المعلمة ونحو الخمسين من البخاتي بلبوسها وخمسة من البخاتي أيضاً كل منها بسنامين ولها بثياب أطلس ونحو الأربعين حملاً يشتمل على قماش وحلوى وفاكهة ونحو الأربعين هجيناً ومن الكنابيش الزركش والعرقيات الزركش والقبى الحرير شيء كثير جداً ومن الصوف الملون والحرير والفرى خمسون بقجة إلى غير ذلك.
وفيها أقدم رجل مفرط الطول طوله أربعة أذرع بالحديد وعرضه ذراعان وصف للسلطان فتعجب من شكله فأرسل في طلبه فأحضر فوصل إلى دمشق في شهر رجب ثم دخل القاهرة وكان جلداً.
وفيها شدد منجك نائب الشام على أهل اللهو وأمر بقطع الأشجار الصفصاف التي بين النهرين وبتخريب المكان الذي أحدث بالشرف الأعلى وأزال المنكرات

(1/16)


من هذا المكان ومن الذي فوق الجبهة أيضاً وهدم الأبنية والحوانيت المستجدة هناك. وفيها شكى الحاج من أمير الركب الدمشقي لنائب الشام فرسم عليه فدخل الحمام فجب ذكره وأنثبيية بالموسن فحمل مغشياً عليه فلما رأه النائب أمر بإطلاقهإلى منزله فبقي مدة متمرضاً ثم أفاق وعاش وهو ابن أفجا.
وفي ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول خسف القمر واستمر إلى التسبيح.
وفي هذه السنة ملك اللنك واسمه تيمور بفتح المثناة وسكون التحتانية وضم الميم وسكون الواو بعدها راء ومعناه بالعربية حديد بن ترغاي بن الغاي المغلى وأصله من كش مدينة مشهورة مما وراء النهر بينها وبين سمرقند يوم واحد ويقال: إن أمه أو جدته من ذرية جنكز خان ومولده على ما كان يذكر في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وكان أبو هـ من الفلاحين ونشأ خاملاً إلا أنه كان قوي القلب. شديد البطش ذكياً فطناً مطبوعاً على الشر ولما بلغ أشده وترعرع صار يتحرم فسرق مرة فرماه راعيها بسهم فأصاب رجله فعرج منه فمن حينئذ قيل له اللنك ثم انضمت إليه طائفة فصار يقطع الطريق ويقال: أنه كان ببلدهم عابد يقال له شمس الدين الفاخوري ولأهلها فيه اعتقاد زائد فقصده اللنك فزاره وأهدى له ماعزاً وقعد بين يديه فسأله أن يدعو له بأمور يتمناها فدعا له بأن تقضى حاجته فكان لا يتوجه إلى جهة فيرجع خائباً وكان يلهج بأنه سيملك البلاد ويبيد العباد

(1/17)


وكان قد اشتهر بمعرفة الخيل فطلبه صاحب خيل السلطان بسمرقند فقرره في خدمته فحظي عنده فاتفق أنه مات عن قريب فقرره السلطان مكانه وكان اسمه حسين من ذرية جنكزخان وكانت هراة وغيرها من بلاد الشرق في ملكه فاستمر اللنك في خدمته إلى أن بدا منه إجرام على نفسه فهرب وانضم إليه جمع وعاد إلى قطع الطريق فاهتم السلطان بأمره وجهز إليه جيشاً فظفروا به فلما أحضروه استوهبه بعض أقارب السلطان فاستنابه وأقره في خدمته رغبة في شهامته فاستمر إلى أن خرج خارج بسجستان وكان ينوب فيها فجهز إليه السلطان عسركاً رأسهم اللنك فأوقعوا بذلك النائب واستولى اللنك منه على مال كثير فقسمه بين العسكر الذين صحبته واستنواهم في الاستبداد بتلك البلد وما حولها فأطاعوه وعصوا على السلطان فاتفق في تلك الأيام موت السلطان واسمه حسين وقام بعده ولده غياث الدين في المملكة فجهز إلى اللنك عسكراً كثيفاً فلم يكن له بهم طاقة ففر منهم إلى أن اضطروه إلى نهر جيحون فترجل عن فرسه وأخذ معرفها بيده وولج النهر سابحاً إلى أن قطعه ونجا إلى البر الآخر فتبعه جماعة من أصحابه على ما فعل وانضموا إليه وتبعهم جمع كانوا على طريقته الأولى فالتفوا عليه وقصدوا نخشب وهي مدينة حصينة فطرقوها بغتة فقتل أميرها واستولى اللنك على قلعتها واتخذها حصناً له يلجأ إليه ثم توجه إلى بلخشان وبها أميران من جهة السلطان وكانا قريبي العهد بغرامة ألزمهما

(1/18)


بها السلطان لجناية صدرت منهما فكانا حاقدين عليه فانضما إلى اللنك فكثر جمعه، واتفق في تلك الأيام خروج طائفة من المغل على تمر خان صاحب هراة فجمع لهم والتقوا فهزموه فبلغ ذلك اللنك فسار إليهم وصاروا على كلمة واحدة فتوجه صاحب هراة إلى بلخ وتوجه اللنك بمن معه إلى سمرقند فنازلها فصالحه النائب بها واسمه علي شير على أن تكون المملكة بينهما نصفين فأقره بسمرقند وتوجه إلى بلخ فتحصن السلطان منه فحاصره إلى أن نزل إليه بالأمان فقبض عليه وتسلم البلد ورجع إلى سمرقند فدخلها آمناً وذلك في أوائل هذه السنة سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة فأقام رجلاً من ذرية جنكزخان يقال له سرغتمش وكانت السلطنة يومئذ قد انتهت إلى طقتمش خان بالدشت وتركستان فبلغه ما اتفق لسلطان هراة فجمع العساكر وقصد اللنك بسمرقند فالتقوا بين سمرقند وخجند فكانت الكسرة أولاً على اللنك ثم عادت على طقتمش خان فانتصر اللنك ويقال إنه كان في عسكره عابد يقال له بركة، فلما رأى اللنك الهزيمة تمسك به فصاح على عسكر طقتمش خان فانهزموا ويحتمل أن يكون هذه من وضع بعض من يتعصب للنك ويحتمل الصحة ليقضي الأمر المقدور " إنما نملي لها ليزدادوا إثماً "

(1/19)


ولما تمت الكسرة على طقتمش خان دخل اللنك خجند ففر أميرها وأمر فيها بعض جنده واستولى على بقية البلاد التي لم تكن دخلت في طاعته رهبة ورغبة ثم دخل سمرقند فأول شيء فعله بعلي شير صاحبه الذي أعانه على مستنيبه وقسم البلد بينه وبينه ولقي عاقبة غدره فقتله غيلة ثم أوقع بمن كان بسمرقند من الزعر وكانوا عدداً كثيراً قد أسعروا البلاد وكان اللنك أعلم بهم من غيره لأنه كان يرافقهم كثيراً وكان إيقاعه بهم بالتدريج بطريق المكر والخديعة والحيلة إلى أن استأصلهم وكفى أهل البلاد شرهم ثم لما استقرت قدمه في المملكة خطب بنت ملك المغل وهو تمرخان فزوجها له وزادوا في اسمه كوركان
فلذلك كان يكتب عنه تيمور كوركان ومعناه الصهر ثم توجه بعساكره إلى خوارزم وجرجان فصالحوه على مال ثم قصد هراة فنزل إليه ولد ملكها غياث الدين بالأمان واستولى عليها واستصحب ملكها معه إلى سمرقند فسجنه فاستمر في سجنه إلى أن مات ثم قصد سجستان فنازلهم فتحصنوا منه مدة ثم طلبوا منه الامان فأمنهم على شريطة أن يمدوه بما عندهم من السلاح فاستكثروا له من ذلك ليرضوه وصار يستزيدهم فبلغوا الجهد في التقرب إليه بما قدروا عليه منه فلما ظن أن غالب سلاحهم صار عنده وأن غالبهم صار بغير سلاح بذل فيهم السيف وخرب المدينة حتى لم يبق بها بعد أن رحل عنها من تقوم بهم الجمعة ولما استولى على هذه الممالك مع سعته وشدة فتكه بأهلها توارد أمراء النواحي على الدخول في طاعته والوفادة عليه ومنهم خجا علي بن مؤيد بطوس وأمير محمد بباورد وأمير حسين بسرخس فأقرهم نواباً في ممالكهم وكذا جميع من بذل له الطاعة ابتداء ومن راسله فعصى عليه يتعذر أن يعفو عنه إذا قدر عليه وكان من جملة من راسل شاه شجاع صاحب شيراز وعراق العجم فبذل له الطاعة وسأله المصاهرة فزوج ابنته بابن اللنك وهاداه وهادنه واستمر على ذلك ويقال إنه كان يدعو الله ويتضرع إليه أن لا يسلط اللنك عليه، فاتفق أنه مات حتف أنفه قبل أن يتوجه اللنك إلى شيراز وسيأتي ذلك في ترجمته سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وإنما جمعت هذه الأخبار مع أنها لم تكن في سنة واحدة ليسهل معرفتها على من أراد أن يعرف أولية اللنك. لك كان يكتب عنه تيمور كوركان ومعناه الصهر ثم توجه بعساكره إلى خوارزم وجرجان فصالحوه على مال ثم قصد هراة فنزل إليه ولد ملكها غياث الدين بالأمان واستولى عليها واستصحب ملكها معه إلى سمرقند فسجنه فاستمر في سجنه إلى أن مات ثم قصد سجستان فنازلهم فتحصنوا منه مدة ثم طلبوا منه الامان فأمنهم على شريطة أن يمدوه بما عندهم من السلاح فاستكثروا له من ذلك ليرضوه وصار يستزيدهم فبلغوا الجهد في التقرب إليه بما قدروا عليه منه فلما ظن أن غالب سلاحهم صار عنده وأن غالبهم صار بغير سلاح بذل فيهم السيف وخرب المدينة حتى لم يبق بها بعد أن رحل عنها من تقوم بهم الجمعة ولما استولى على هذه الممالك مع سعته وشدة فتكه بأهلها توارد أمراء النواحي على الدخول في طاعته والوفادة عليه ومنهم خجا علي بن مؤيد بطوس وأمير محمد بباورد وأمير حسين بسرخس فأقرهم نواباً في ممالكهم وكذا جميع من بذل له الطاعة ابتداء ومن راسله فعصى عليه يتعذر أن يعفو عنه إذا قدر عليه وكان من جملة من راسل شاه شجاع صاحب شيراز وعراق العجم فبذل له الطاعة وسأله

(1/20)


المصاهرة فزوج ابنته بابن اللنك وهاداه وهادنه واستمر على ذلك ويقال إنه كان يدعو الله ويتضرع إليه أن لا يسلط اللنك عليه، فاتفق أنه مات حتف أنفه قبل أن يتوجه اللنك إلى شيراز وسيأتي ذلك في ترجمته سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وإنما جمعت هذه الأخبار مع أنها لم تكن في سنة واحدة ليسهل معرفتها على من أراد أن يعرف أولية اللنك.
وممن نازله اللنك في هذه السنة حسين صوفي صاحب خوارزم ومات فاستقر ولده يوسف مكانه واستولى اللنك على خوارزم فخربها كدأبه في غيرها من البلاد.

ذكر من مات
في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من الأعيان.
أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمرو بن الشيخ أبي عمر بن قدامة الصالحي شهاب الدين المعروف بابن النجم، الحنبلي، ولد سنة اثنتين وثمانين وستمائة وأحضر على الفخر على أمالي ابن شمعون وغيرها على التقى الواسطي الاربعين للحاكم وغير ذلك وحدث، سمع منه القدماء وجماعة من اكابر رفقتنا وأصاغر شيوخنا، مات في ثالث جمادى الآخرة، وهو ممن أجاز عاماً لكن لم أدخل في عموم إجازته.
أحمد بن بلبان بن عبد الله الدمشقي، شهاب الدين المالكي الفقيه المفتي كاتب الحكم، مات في صفر وخلف مالاً كثيراً رحمه الله تعالى.
أحمد بن علي بن عبد الكافي بن يحيى بن تمام أبو حامد بهاء الدين السبكي

(1/21)


مقري،
ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وكان اسمه أولاً تماماً ثم غيره أبوه بعده بعد أبن بلغ سن التمييز، وحفظ القرآن صغيراً وتلا على التقى الصائغ ببعض القراءات، وأحضر على علي بن عمر الواني، وأسمع على الحجاز وغيره، وسمع بنفسه من جماعة واشتغل بالعلوم فمهر فيها فأفتى ودرس وله عشرون سنة، وولي وظائف أبيه بالقاهرة وله إحدى وعشرون سنة لما تحول أبوه إلى قضاء الشام وقد ولي قضاء الشام مرة بدلاً عن أخيه وذلك سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وحضر أخوه تاج الدين على وظائفه بالقاهرة، وولي بهاء الدين درس الفقه بجامع ابن طولون والخطابة به والميعاد، ودرس الفقه بالمنصورية وقضاء العسكر وافتاء دار العدل ودرس الشافعية بالشيخونية أول ما فتحت.
قال العماد ابن كثير في حقه: كان قانتاً عابداً كثير الحج، وقال

(1/22)


ابن حبيب: إمام علم زاخر اليم، مقرون بالوفاء الجم، وفضله مبذول لمن قصد وأم، وقلمه كم باب عدل فتح، وكم شمل معروف منح، وأفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان مواظباً على التلاوة والعبادة وهو القائل:
اتتنى فآتتنى الذي كنت طالبا ... وحييت فأحييت لي منى ومآربا.
وقد كنت عبداً للكتابة أبتغي ... فرقت على رقي فصرت مكاتبا.
مات بمكة في شهر رجب وله ست وخمسون سنة، وقرأت بخط القاضي تقى الدين الزبيري: لما مات بهاء الدين كان أرسل في مرض موته نجابا إلى القاضي محب الدين ناظر الجيش أن يدير وظائفه باسم أولاده فنازعه مختص النقاشي وكان له قدر عند الأشراف فأخذ الخطابة والميعاد بالجامع الطولوني لابن أستاذه أبي هريرة بن النقاش ولم يقدم محب الدين على معارضته، واستقر الشيخ سراج الدين البلقيني في درس التفسير بالمنصورية وأبو البقاء في تدريس الشافعي، واستقر أبو البقاء في تدريس الشيخونية فعارضه أكمل الدين وقرر فيها الشيخ ضياء الدين.
أحمد بن محمد بن عثمان البكري شهاب الدين ابن المجد الشاعر، كانت له قدرة على النظم، وله مدايح في الأعيان ومن شعره قصيدة أولها:
رعاهم الله ولا روعوا ... ما لهم ساروا ولا ودعوا.
مات بمنية ابن خصيب في شهر رمضان.
أحمد بن شرف الدين محمد بن هاشم بن عبد الواحد بن أبي العشائر الحلبي شهاب الدين موقع الحكم، سمع صحيح البخاري من سنقربفوت وحدث وتفرد، مات في

(1/23)


ثاني رجب وقد قارب الثمانين فإن مولده سنة سبع وتسعين، وكان قد انقطع قبل موته بمنزله مدة يسيرة.
ايدمر بن عبد الله بالشيخي عز الدين نائب حماة، وليها مراراً، مات في هذه السنة بحلب نائباً.
أبو بكر بن رسلان بن نصير البلقيني أخو شيخنا سراج الدين كان على طريقة والده بزى أهل البر، وكان يتردد إلى أخيه بالقاهرة وهو أسن منه بقليل فقدر أنه قدم في هذه السنة ليزوج ولده جعفراً فمرض فمات عند الشيخ فأسف عليه كثيراً لأنه مات في غربة وهو شقيقه وصار يقول: ذهب أبو بكر فيذهب عمر هذا أو معناه، فبينا هو في هذه الحالة إذ سمع قارئاً يقرأ: فأما الزبد فيذهب وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فعاش بعد أخيه اثنتين وثلاثين سنة، وقد أنجب أبو بكر هذا أولاداً نبغ منهم أبو الفتح بهاء الدين بن رسلان فمهر وأفتى ودرس وناب في الحكم، وكان شكلاً حسناً كثير النفع للطلبة مع التواضع والتودد وهو أول أولاده وفاة، ومنهم جعفر، وكان فقيهاً فاضلاً ديناً متواضعاً، ناب في الحكم وولي قضاء بعض البلاد كسمنود، ومنهم ناصر الدين، كان يحفظ المحرر للرافعي، ناب في الحكم بعد أن كتب في التوقيع مدة، ومنهم شهاب الدين، كان يعرف بالعجمى، ولي قضاء المحلة مدة طويلة.
أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عبد القاهر النصيبي ثم الحلبي شرف الدين

(1/24)


بن تاج الدين أبي المكارم، سمع على أبي بكر بن العجمى وحدث، وكان من كتاب الإنشاء بحلب حسن الخط، مات وله سبع وسبعون سنة.
أبو بكر بن محمد العراقي ثم المصري تقى الدين الحنبلي، كان من فضلاء الحنابلة، مات في جمادى الأولى.
الحسن بن أحمد بن عبد الله بن الحافظ الحنبلي، إمام محراب الحنابلة بدمشق، سمع التقى سليمان وغيره وحدث، وكان بارعاً في العلم، مات في أواخر شعبان.
ست الخطباء بنت الشيخ تقى الدين السمكي أسمعت من ابن الصواف وعلى ابن القيم، وكانت قد أضرت.
عبد الله بن يعقوب بن محمد بن علي بن مفرح البكري المدني، بدر الدين المعروف بابن قبال. ولد بالمدينة سنة أربع عشرة وسبعمائة، وسمع من الجمال المطري ومحمد بن إبراهيم المؤذن، وحدث بالمدينة، سمع منه شيخنا العراقي، وحدث أبو حامد بن ظهيرة عنه في معجمه بالإجازة، ومات بالمدينة في ربيع الأول.
عبد الله المصري الشيخ درويش، أحد من كان يعتقد بمصر. مات في رجب.
عبد الرحمن بن عبد الله الحيري أبو محمد المقرئ المؤدب، نزيل مكة،

(1/25)


سمع بدمشق من المزى وبمكة من الوادي آشى والزين الطبري وغيرهم وحدث، سمع منه أبو حامد بن ظهيرة، ومات في صفر.
عبد الرحمن بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر الصالحي شمس الدين أبو الفرج، ولد في رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من عيسى المغارى والحسن بن علي الخلال والتقى سليمان، وكان عالماً بالفرائض، خطب بالجامع المظفري بالسفح، ومات في مستهل شعبان وله خمس وسبعون سنة.
عبيد الله بالتصغير بن محمد بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي شمس الدين أبو محمد، قرأ الروايات وسمع التقى سليمان وطبقته، وكان ينظم، ودرس وأفتى، ومات في جمادى الآخرة، وكانت جنازته حافلة.
عثمان بن محمد بن أبي بكر بن حسين الحراني ثم الدمشقي فخر الدين بن المغربل، ويعرف قديماً بابن سينا، ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من القاسم بن مظفر وابن الشيرازي وغيرهما، ثم طلب بنفسه فحصل الكثير وحدث، مات بحلب في حادي عشر ذي القعدة أو ذي الحجة، ذكره ابن رافع وقال: رافقته في السماع، وذكره الذهبي

(1/26)


في المعجم المختص وقال فيه: الفقيه فخر الدين بن القماح المغربل شاب حسن متواضع، تفقه قليلاً وحج كثيراً ودار مع المحدثين.
عراق بن عبد الله التركي، أحد الأمراء الكبار بدمشق، عمر طويلاً إلى أن جاز المائة وكان أعفى أخيراً من الخدمة وأعطى خبزاً يقوم بكفايته، يقال إمرة طبلخاناة.
علي بن إبراهيم بن حسن بن تميم الحلبي علاء الدين، كاتب السر بحلب، مات بها عن نيف وستين سنة، وكان عزل قبل موته ونكب.
عمر بن أرغون بن عبد الله التركي ركن الدين، ولد نائب السلطنة ولد بالقاهرة وأسمع على وزيرة والحجاز والرضي الطبري وغيرهم، وولي نيابة صفد وغزة والكرك وحدث، مات في ذي الحجة.
عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنزي، سراج الدين الهندي، قاضي الحنفية بالقاهرة، ويقال اسم أبيه إسماعيل والصحيح إسحاق، تفقه على الوجيه الرازي بمدينة دهلي بالهند والسراج الثقفي والركن البدايوني وغيرهم من علماء الهند، وحج فسمع من الشيخ خضر شيخ رباط السدرة عوارف المعارف، وحدث به عنه عن القطب القسطلاني عن مؤلفه، وقدم القاهرة قديماً نحو سنة أربعين، وسمع من أحمد بن منصور الجوهري

(1/27)


وغيره وظهرت فضائله، ثم ولي قضاء العسكر بعد أن كان ينوب عن الجمال للتركماني ثم عزل، وقرأت بخط القاضي تقى الدين الزبيري: كان عالماً فاضلاً، له وجاهة في كل دولة، وكان أول ما قدم، لازم درس القاضي زين الدين البسطامي وهو قاضي الحنفية في ذلك الوقت، ثم لازم القاضي علاء الدين التركماني فأذن له في العقود والفروض بالحانوت الذي بين القصرين مقابل المدرسة الصالحية، ثم قويت شوكته لما مات علاء الدين وولي ولده جمال الدين، فاستنابه ولم يستنب غيره واستبد بجميع الأمور، ولما مات علاء الدين بن الأطروش محتسب القاهرة كان بيده قضاء العسكر فسأل الهندي شيخو فيه، فامتنع وأعطاه أقطاعاً جيداً، فتوجه الهندي إلى صرغتمش وسأله فيه فولاه، فشق ذلك على شيخو، ثم قتل شيخو فعظمت منزلة الهندي عند صرغتمش وعند السلطان حسن، فلما أمسك صرغتمش عمل الهرماس على الهندي وقال للجمال التركماني: إن السلطان رسم بعزل الهندي فعزله، فتغير خاطره من القاضي وهجره وأقام بمنزله والناس يترددون إليه ويقرؤون عليه ويلازمون دروسه والأخذ عنه، ثم قربه السلطان حسن وصار هو وابن النقاش يلازمانه ويركبان معه في السرحات، ويدخل القاهرة وهما معه ورتب لهما الرواتب العظيمة، فاتفق أن الهرماس حج سنة ستين فتمكن الهندي وابن النقاش من الطعن عليه عند السلطان وأطلعاه على احواله إلى أن تغير عليه وامتحن المجنة المشهورة فتمكن الهندي ثم خمل لما أمسك السلطان مدة يلبغا، ثم لما ولي الأشراف تقدم عند الجاي وغيره وقرر في قضاء الحنفية استقلالاً سنة تسع وستين، ولما مات البسطامي أضيف إليه تدريس جامع ابن طولون، وتكلم في أوقاف الشافعية لما ولي الجاي نظر الأوقاف، فلما حضر مع استعرض الدروس في الجامع الطولوني وبالمدرسة الأشرفية وضيق عليهم، فقام الهندي، فقام الهندي في ذلك قياماً عظيماً وأغلظ له في القول حتى قال: إقطاعك يبلغ ألفي ألف درهم وتستكثر على الفقيه المسكين هذا القدر!

(1/28)


فقال: أنا آخذ الإقطاع لحفظ بلاد المسلمين، فقال: ومن علمكم الجهاد إلا الفقهاء؟ فسكت وترك كل أحد على حاله.
وللهندي شرح المغني والهداية وبديع ابن الساعاتي وتائية بن الفارض. وكان واسع العلم، كثير الإقدام والمهابة، وكان يتعصب للصوفية الاتحادية، وعزر ابن أبي حجلة لكلامه في ابن الفارض، مات في الليلة التي مات فيها البهاء السبكي سابع شهر رجب، وكانت ولايته نحو أربع سنين، وكان يكتب بخطه: مولدي سنة أربع وسبعمائة.
عمر بن عثمان بن موسى الجعفري الدمشقي وين الدين، تفقه وبرع ودرس بالجاروخية، وخطب بجامع العقيبة، مات في نصف المحرم راجعاً من الحج رحمه الله.
أبو الفتح بن يوسف بن الحسن بن علي الشحري المكي الحنفي، إمام مقام الحنفية بمكة، صحب الشيخ أحمد الأهدل اليمني، وتزهد ودار بمكة وفي عنقه زنبيل.
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم بن سعيد بن حامد الهلالي الإسكندراني المالكي، كمال الدين بن فخر الدين بن كمال الدين بن الربغي، قاضي الإسكندرية وابن قاضيها، ولد بها سنة ثلاث وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن مخلوف وغيره، وسمع بمكة من عيسى بن الحجي، سمع منه شيخنا العراقي وهو الذي أرخه.
محمد بن أبي بكر بن علي السوقي الصالحي عز الدين، أحد المسندين بدمشق،

(1/29)


ولد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من عمر بن القواس معجم ابن جميع ومن إسماعيل بن الفراء بعض سنن ابن ماجة، وحدث وتفرد، وهو أحد من أجاز عاماً: مات بالصالحية في أحد الجمادين من هذه السنة، وأرخه بعضهم في ربيع الأول ولعله أتقن.
محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الخالق، جمال الدين أبو العيث بن تقى الدين بن نور الدين بن الصائغ الدمشقي، سمع من الحجاز وأسماء بنت صصرى وغيرهما، وولي قضاء حمص وغزة، ودرس بالعمادية بدمشق. وأقام عند جده بحلب مدة، وناب في الحكم بسرمين، ومات في ذي الحجة عن نحو الأربعين، وقال ابن حبيب: عن بضع وأربعين، قلت: وهو أخو شيخنا أبي اليسر أحمد.
محمد بن فيروز بن كامل بن فيروز الحوارني شمس الدين قاضي القدس، مات به في ربيع الأول، وكان قد ولي قضاء حلب وغيرها.
محمد بن محمد بن عبد الله الهاشمي أبو الخير بن فهد المالكي، سمع من الفخر النويري والسراج الدمنهوري وغيرهما، مات في ذي الحجة.
محمد بن محمد بن عيسى الأقصرائي الحنفي بدر الدين، قدم دمشق وسمع على المزي وغيره ودرس بالمعزية البرانية بالشرف الأعلى وخطب بها، مات في ذي القعدة.

(1/30)


محمد بن محمد بن يعقوب النابلسي ثم الدمشقي، بدر الدين بن الخواسي الحنفي، سمع من عيسى المطعم وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وغيرهما، وعني بالعلم، وناب في الحكم، مات في تاسع شهر ربيع الآخر عن ستين سنة وأشهر.
محمد بن موسى بن ياسين بن مسعود الحوراني ثم الدمشقي، سمع من الحجار وغيره، وناب في الحكم بدمشق، وولي قضاء القدس، مات في تاسع عشر ربيع الأول بدمشق.
محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي بفتح اللام وسكون الواو بعدها شين معجمة الغرناطي سمع علي ابن جعفر ابن الزبير سنن النسائي الكبرى والشفاء والموطإ، سمع على أبي الحسن فضل بن محمد المعافري، وكان عارفاً بالحديث، وضبط مشكله وبالقراءات وطرقها مشاركاً في الفقه وغيره، مات في جمادى الآخرة أخذ عنه شيخنا قاسم بن علي المالكي الذي مات سنة إحدى عشرة وثماني مائة.
محمد نظام الدين بن الخوارزمي ثم المصري، مدرس الفقه بالجامع الطولوني،

(1/31)


ذكره محمد بن عبد الرحمن العثماني قاضي صفد في طبقات الفقهاء فقال: كان من أكابر العلماء الشافعية وعلمائها مات بمصر.
يحيى بن عبد الله الرهوني شرف الدين الفقيه المالكي، اصله من المغرب، واشتغل ومهر ودرس بالشيخونية ودرس الحديث في الصرغتمشية وأفتى، وله تخاريج وتصانيف تخرج به المصريون، مات في ثالث شوال، ورثاه ابن الصائغ وأرخه بعضهم سنة أربع وسبعين في ذي القعدة.
يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن يحيى العامري البلدي الحموي بن الخباز الشاعر الزجال تلميذ السراج المحار، تمهر ونظم في الفنون وشارك في الآداب، وقد كتب عنه الصفدي وغيره، وكان يتشيع، مات في ذي الحجة، وقد عمر طويلاً، قال الصفدي: اجتمعت به غير مرة وأنشدني من نظمه، وسألته عن مولده فقال: في سنة سبع وتسعين وستمائة في شهر المحرم بحماة. وكان مشاركاً في الآداب.

(1/32)


سنة أربع وسبعين وسبعمائة
فيها اشتد الحر بوادي الأخيضر على الحاج الشامي وهم رجوع، فمات منهم جماعة عطشاً، وكان السبب في ذلك أن أمير الحاج في الذهاب ضرب الموكلين على الفساقي بسبب قلة ما بها من الماء، فلما عاد الحاج لم يجدوا أولئك ملؤا في الفساقي شيئاً أصلاً حقداً منهم على ما صنع بهم وكان في ظن الحاج أنهم يجدون الفساقي ملأ فقدموا ملأى فقدموا معتمدين على ذلك حتى أن بعضهم سقى بقية ما معه من الماء للجمال، ولما وصلوا فلم يجدوا الماء اقتتلوا على البئر فمات منهم خلق كثير من الزحمة ومن العطش، ومات بعد ذلك منهم اكثر ممن قتل بالعطش.
وفيها كان الوباء بدمشق فدام قدر ستة أشهر، وبلغ العدد في كل يوم مائتي نفر، وفي ربيع الأول الموافق لتشرين الأول زادت الأنهار بدمشق فسدت أبوابها فانكسر بعضها فانقلب على نهر بردى، فتلف بسبب ذلك شيء كثير وبطلت طواحين كثيرة وحمامات.
وفيها ولي صلاح الدين بن عرام نيابة الإسكندرية عوضاً عن شرف الدين موسى الأزكشي، وكانت ولاية الأزكشي في هذه السنة اشهراً.

(1/33)


وفيها أمر أن لا يزيد عدد الشهود في كل مركز على أربعة وان لا يستنيب أحد من القضاة من غير مذهبه، وذلك من قبل الجاي اليوسفي المتحدث في المملكة.
وفيها استقر الجاي أتابك السلطنة، وولي نظر المارستان فاستناب كريم الدين بن الغنام فيه.
وفيها ولي اشقتمر المارديني نيابة حلب بعد ايدمر المتوفي في العام الماضي.
وفيها استقر يلبغا الناصري شاد الشربخاناة.
وفيها وصل قود منجك ناثب الشام، وكان شيئاً كثيراً إلى الغاية وفيه سباع وضبع وأيل وغير ذلك.
وفيها أرسل الجاي أخاه طغيتمر الحنسي إلى دمشق لعرض الأجناد بها فحصل أموالاً عظيمة حتى قيل: غن الذي خصه خمسون ألف دينار، وأخذ من ذخائر القلعة أشياء نفيسة، وبالغ في الظلم فاستغاث الناس إلى منحك نائب الشام فكاتب فيه، ثم توجه المذكور إلى جهة حلب ففعل في بقية البلاد أشد مما فعل بدمشق، ولولا تلطف النائب وناظر الجيش بالناس

(1/34)


لهلكوا معه واستناب الجاي في نظر الأوقاف الشريف بكتمر الذي كان والي القاهرة وصار يحمل إليه المعلوم.
وفيها عزل الشريف فخر الدين من نقابة الأشراف بسبب ما أنهاه الشريف بدر الدين حسن النسابة أنه يرتشى ممن ليس بشريف، فيلبسه العلامة الخضراء فعقد له مجلس وعرض الجماعة وحصل للجماعة التعصب، وعزل الشريف وقرر الشريف عاصم نقيباً في تاسع شوال، فباشرها إلى العشرين من ذي الحجة، ثم أعيد فخر الدين.
وفيها ولي شهاب الدين احمد بن شرف الدين موسى بن فياض المقدسي الحنبلي الحكم بحلب عوضاً عن أبيه بسؤاله في ذلك.
وفيها استقر شمس الدين محمد بن أحمد بن مهاجر كاتب السر بحلب عوضاً عن ابن علان لما مات.
وفيها كان الحريق بقلعة الجبل داخل الدور السلطانية، واستمر أياماً ففسد شيء كثير، ويقال إن أصله من صاعقة وقعت.
وفيها مات منكلي بغا الشمسي، فرسم السلطان لأجناده أن يمشوا في خدمة ولي العهد أمير علي، هو الذي تولى السلطنة بعده، وفي جمادى الأولى ولي بيدمر نيابة طرابلس.
وفيها عقد الجاي مجلساً بالعلماء في إقامة خطبة بالمنصورية، فأفتاه البلقيني وابن الصائغ وآخر بالجواز، وخالفهم الباقون، فانفصل المجلس على ما قاله الجمهور، وصنف البلقيني كتاباً في الجواز، وصنف شيخنا الحافظ العراقي كتاباً في المنع، وقد سبق بالتصنيف

(1/35)


في المنع تقى الدين السبكي فجمع فيه عدة تواليف صغار، وقفت على أربعة منها، ووقفت بعد ذلك على جزء جمعه القاضي برهان الدين بن جماعة في المنع.
وفيها استقر ابن الغنام وزيراً وولده عبد الله ناظر البيوت، وكريم الدين بن الرويهب ناظر الدولة، وجمال الدين عبد الرحيم بن الوراق ناظر الخزانة الكبرى، وقرطائ كاشف الوجه القبلي، وأمسك الوزير المنفصل وهو فخر الدين بن تاج الدين موسى.
وفيها ضربت عنق بن سويرات بسبب أمور تنافي الشريعة، فحكم البرهان الأخناي بسفك دمه، وكان من أهل الحسينية ظاهر القاهرة.
وفيها قدم بعض الشيوخ الزواكرة إلى دمشق ومعه تمر ومرسوم أن يباع ما معه من التمر كل تمرة بدرهم، فشق ذلك على الباعة وأكثروا الشناعة، ذكر ذلك ابن كثير.
وفي هذه السنة راسل اللنك شاه ولي صاحب مازندران وهو شاه ولي يستدعيه إلى حضرته فأرسل إليه جماعة من أكابر مملكته منهم إسكندر الجلالي وأرشبوند وإبراهيم القمي فأكرمهم اللنك. وراسل شاه ولي ملوك العراق، فأطعمه أحمد بن أويس صاحب بغداد في نصرهم إن قصده اللنك، وامتنع شاه شجاع من إجابته لكونه هادن اللنك وهاداه قبل ذلك، ورحل اللنك بعساكره طالباً مازندران فنازلها، فلم يثبت شاه ولي في الكفاية فانهزم إلى الري، وكان بها أمير من جهته يقال له محمد جوكار فغدر به وقبض عليه وأرسله إلى اللنك متقرباً إليه به، فأمر بقتله، ودخل جوكار في طاعة اللنك، وغلب اللنك على تلك البلاد كلها.

(1/36)


ذكر من مات
في سنة أربع وسبعين وسبعمائة من الأعيان
إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الجعفري الدمشقي الحنفي، برع في الفقه وناب في الحكم ودرس، مات في المحرم.
إبراهيم بن خليل بن شعبان الصارم، أستاد دار الأتابك اسندمر، مات في ذي القعدة.
إبراهيم بن محمد بن عيسى بن مطير بن علي بن عثمان الحكمي اليمنى، كان عالماً صالحاً عارفاً بالفقه، درس وأفتى وحدث عن أبيه. وكان مقيماً بأبيات حسين من سواحل اليمن، وكان يلقب ضياء الدين، سمع من والده ومن محمد بن عثمان بن هاشم الحجري وغيرهما، حفظ وحدث.
أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن مسعود السلامي البغدادي نزيل دمشق، والد الحافظ زين الدين بن رجب، ولد ببغداد ونشأ بها، وقرأ بالراويات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها وبالحجاز والقدس، وجلس للإقراء بدمشق وانتفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف، ومات في هذه السنة أو التي قبلها.
أحمد بن عبد الله العباسي ثم المصري الحنبلي، سبط أبي الحرم القلانسي، مات في جمادى الأولى، وهو منسوب إلى العباسية من قرى الشرقية.
أحمد بن عبد الوارث البكري، الفقيه الشافعي، شهاب الدين، وهو والد الشيخ نور الدين الذي ولي الحسبة وأخو صاحبنا عبد الوارث المالكي وجد صاحبنا نجم

(1/37)


الدين عبد الرحمن، مات في شهر رمضان. قال لي شيخنا ابن القطان: كان عارفاً بالفقه والأصل والعربية منصفاً في البحث، ولي تدريس مدرسة اطفيح، واعتزل الناس في آخر عمره.
أحمد ابن محمد بن جمعة بن أبي بكر بن إسماعيل بن حسن الأنصاري الحلبي شهاب الدين أبو العباس الشافعي، ويقال له ابن الحنبلي، سمع من التاج النصيبي جزء محمد بن الفرج الأزرقي، وأفتى وحدث وناب في الحكم، مات في ذي الحجة عن نحو من سبع وسبعين سنة، فإن مولده في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين.
أحمد بن محمد بن علي بن سعيد الدمشقي، صدر الدين أبو طاهر بن بهاء الدين ابن إمام المشهد، ولد سنة اربع وثلاثين أو بعد ذلك، وأحضر على زينب بنت الكمال وأحمد بن علي الجزري، وسمع من أصحاب الفخر فأكثر وبرع في الطلب، وكتب الطباق بخطه الحسن، ووقع على القضاة، ومات في ثامن شعبان.
أحمد بن محمد بن محمد بن المسلم بن علان القيسي الدمشقي، شهاب الدين، كاتب السر بحلب، باشرها سنة واحدة، ومات وله نيف وخمسون سنة.
ارغون ططر بن عبد الله التركي، كان من مماليك حسن، وتقدم في دولة يلبغا، ثم ولي رأس نوبة ثم قبض بعد كائنة يلبغا سنة ثمان وستين وحبس بالإسكندرية ثم أفرج عنه، وولي إمرة حماة واستقر بها غلى أن مات في أوائل هذه السنة.

(1/38)


إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع البصروي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي الحافظ عماد الدين ابن الخطيب شهاب الدين، ولد سنة سبعمائة، وقدم دمشق وله نحو سبع سنين سنة ست وسبعمائة مع أخيه بعد موت أبيه وحفظ التنبيه، وعرضه سنة ثماني عشرة، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وتفقه بالبرهان الفزاري والكمال ابن قاضي شهبة، ثم صاهر المزي، وصحب ابن تيمية، وقرأ في الأصول على الأصبهاني، وألف في صغره أحكام التنبيه، فيقال إن شيخه البرهان أعجبه وأثنى عليه، واتفق قدوم ابن جماعة في الرحلة بولده عمر سنة عشر إلى دمشق، فاستقدمه معه وانتفع به في تخريج أحاديث الرافعي، ورأيت نسخة من تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب لم يبيضها بخط تقي الدين ابن رافع، وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، وكان يشارك في العربية ويستحضر التنبيه ويكرر عليه إلى آخر وقت وينظم نظماً وسطاص، قال ابن حجى: ما اجتمعت به قط إلا استفدت منه، وقد لازمته ست سنين. وقد ذكره الذهبي في معجمه المختص فقال: الإمام المحدث المفتي البارع، ووصفه بحفظ المتون وكثرة الاستحضار جماعة منهم الحسيني وشيخنا العراقي وغيرهما، وسمع من الحجار والقاسم بن عساكر وغيرهما، ولازم الحافظ المزي وتزوج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وأخذ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية فأكثر عنه، وصنف التصانيف الكثيرة في التفسير والتاريخ والأحكام. وقال ابن حبيب فيه: إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بقوله وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط

(1/39)


والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير. مات بدمشق في خامس عشر شعبان، وقد أجاز لمن أدرك حياته، وهو القائل:
تمر بنا الأيام تترى وإنما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر.
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدر.
قلت: ولو كان قال: فلا عائد صفو الشاب إلى آخره، لكان أمتع.
ولما رتب الحافظ شمس الدين بن المحب المعروف بالصامت مسند أحمد على ترتيب حروف المعجم حتى في التابعين المكثرين عن الصحابة أعجب ابن كثير فاستحسنه، ورأيت النسخة بدمشق بخط ولده عمر فألحق ابن كثير ما استحسنه في الهوامش من الكتب الستة ومسندي أبي يعلى والبزار ومعجمي الطبراني ما ليس في المسند، وسمى الكتاب جامع المسانيد والسنن وكتبت منه عدة نسخ نسبت إليه وهو الآن في أوقاف المدرسة المحمودية، المتن ترتيب ابن المحب والإلحاقات بخط ابن كثير في الهوامش والعصافير، وقد كنت رأيت منه نسخة بيضها عمر بن العماد بن كثير مما في المتن والإلحاق، وكتب عليه الاسم المذكور.
إسماعيل بن محمد بن نصر الله بن يحيى بن دعجان بن خلف العدوي، فخر الدين ابن عمر محيي الدين بن فضل الله كاتب السر، سمع من البنديجي مشيخته وحدث، ومات في المحرم وله سبع وسبعون سنة، لأن مولده سنة سبع وتسعين وستمائة، ولو سمع على قدر سنة لأدرك إسناداً عالياً.
أبو بكر بن محمد بن يعقوب الشقاني المعروف بابن أبي حربة، كان فقيهاً

(1/40)


عارفاً فاضلاً زاهداً صاحب كرامات شهيرة بلاده، وهو من شقان بضم المعجمة وتشديد القاف وآخره نون من السواحل بين جدة وحلى.
بهادر قلقاس. وكيل السلطان بدمشق، كان من أكابر الظلمة ففرح الناس بموته.
بركة خاتون بنت عبد الله المولدة، والدة الملك الأشرف، تزوجت الجائي في سلطنة ولدها، وماتت في عصكته في ذي القعدة، ولها مدرسة بالتبانة، وكان الأشرف كثير البر لها بحيث أنه أعادها مراراً حتى بالروضة مقابل مصر، وماتت في ذي القعدة، فأراد الأشراف أن يزوج الجاي ابنته، فقيل: لا تحل له، فجمع القضاة فأفنوه بالمنع لأن بنت الربيب ربيبة، فعوضه عنها بسرية له وكان يحبها اسمها بستان فأعتقها وزوجها له، ثم وقع بينهما منافرة بسبب تركة أم الأشراف التي ماتت

(1/41)


الحسن بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبي طالب بن علي بن سيدهم اللخمي التستراويني ثم المصري، أبو محمد بدر الدين، كان جواداً وافر المروءة كثير المكارم محباً في الصالحين، باشر ديوان طبيغا الطويل ودخل معه حلب لما وليها ثم رجع، وكان قد سمع من الحجار وعبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة ومحمد بن عبد الحميد الهمداني والجلال بن السلام وجماعة، ولازم سماع الحديث من المتأخرين، وحدث بكتاب المدخل لابن الحاج بسماعه منه، وكتب عدة أجزاء بخطه، وهو عم صهري كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز، مات في العشرين من جمادى الأولى. وكان قد ركبه الدين الكثير وهو لا يترك طريقته في العطايا والجود فاتفق أن ماتت زوجته وتركت مالاً جزيلاً فمات عقبها فوفى دينه قريبه المذكور بموجوده ولم يأخذ من ميراثه شيئاً بل جاء حقه بحقه، وكذا اتفق لقريبه المذكور لكن على غير هذه الكيفية كما سأذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته سنة سبع وثماني مائة. قال الحافظ أبو المعالي ابن عشائر: حدث بحلب بالمائة المنتقاة من الصحيح لابن تيمية بسماعه من الحجار ووزيرة ولم يتحقق لنا سماعه لذلك ولكن قرؤوا عليه بأخباره والمحقق سماعه للحدث الفاصل من ابن مخلوف والمتوكل من ابن الصواف وكلاهما بالإسكندرية.

(1/42)


سليمان بن محمد بن حميد بن محاسن الحلبي ثم النيربي الصابوني ولد سنة إحدى وسبعمائة بمصر، وأحضر على الحافظ الدمياطي في الرابعة السيرة النبوية واليقين لابن أبي الدنيا، وحدث عن ست الوزراء والحجار، فقرات بخط محمد بن يحيى بن سعيد في شيوخ حلب سنة ثمان وأربعين أن ذلك لم يكن صحيحاً وإنما له منهما إجازة. قلت: وذكره ابن رافع في معجمه، وكنيته أبو قمر وكانت وفاه بالنيرب في شهر رمضان، سمع منه البرهان محدث حلب.
سنقر بن عبد الله الواسطي، ويقال له عبد الله، كان مولى الحسين الواسطي، سمع من المزي ويحيى بن إسحاق الشيباني قاضي زرع من سنن الدارقطني وحدث، وكان كثير الصدقة والتودد مواظباً على الجماعة، مات في ربيع الآخر.
طاهر بن أبي بكر بن محمد بن محمود بن سعيد التبريزي ثم الدمشقي، الخواجا نجم الدين، سمع من الحجار والمزي والجزري وغيرهم، وكان يكفن الموتى من ماله ثم افتقر ونزل صوفيا بالسميساطية، ومات في أواخر صفر وقد جاوز الثمانين بأربع سنين لأن مولده كان سنة أربعين وستمائة. قال ابن كثير: كان من أحاسن الناس وفيه حشمة ورئاسة وإحسان، وكان قد حظي عند تنكز وولاه أنظاراً كباراً ووظائف، وهو الذي كفن المزي من ماله.
عبد الله بن عمر بن سليمان المصري، المعروف بالسبطين، وأصله مغربي، كان مقيماً بالجامع الأزهر، وللناس فيه اعتقاد، وهو والد صاحبنا شهاب الدين أحمد.

(1/43)


عبد الرحمن بن الحضر بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف بن عثمان السخاوي ثم الحلبي الأديب زين الدين أبو محمد، كاتب الدرج بحلب، أناف على الخمسين، ومن نظمه:
حمام الأراك أراك الهوى ... شجونا غدوت لها مستكينا.
فولا النوى ما عرفت النواح ... ولولا الشجاما ما ألفت الشجونا.
أثنى عليه ابن حبيب.
عبد العزيز بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق، أبو فارس المريني بن أبي الحسن بن أبي سعيد بن أبي يحيى البربري صاحب فاس، لما مات أبوه أبو الحسن اعتقل هو غلى أن غلب الوزير عمر بن عبد الله بن علي على أمر المملكة. ونصب تاشفين بن أبي الحسن أخا عبد العزيز هذا في السلطنة، وذلك في سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستين، وقاتل أبا سالم إبراهيم بن أبي الحسن إلى أن قتل، فثار محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن في صفر من سنة ثلاث وستين، فكانت له حروب آلت إلى خروجه إلى مصر فحج ورجع فمات، فقام أخوه عبد الرحمن بسجلماسه فسجن، وقام أبو الفضل بن أبي سالم بمراكش، وقام عبد الرحمن ابن أبي علي مبادلاً فحاربهم الوزير المذكور ثم توهم من أبي زيان فقتله في المحرم سنة ثمان وستين، وبايع عبد العزيز فأخرجه من الاعتقال وسلطنه ورحل به من فاس في شعبان منها فنازل مراكش فوقع الصلح بينه وبين أبي الفضل ومن معه رجعوا إلى فاس، فشق على أبي فارس استبداد الوزير وساء ما بينهما فهم الوزير بخلعه ولإقامة أخيه عمر فبادر وقتله بغتة واستولى على أمواله وتتبع أهله وحشمه فقتل بعضاً وأسر بعضاً

(1/44)


وتوجه من فاس إلى مراكش فنازل أبا الفضل حتى قتله ثم حارب عامر بن محمد المتغلب بفاس حتى هزمه ثم ظفر به فقتله وقتل تاشفين في سنة إحدى وسبعين، ثم ملك تلمسان في يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين، واستوسق له ملك المغرب الأوسط وثبت قدمه ودفع الثوار والخوارج واستمال العرب، ولم يزل إلى أن طرقه ما لابد منه، فمات بمعسكره من تلمسان في شهر ربيع الآخر، واستقر في السلطنة بعده ولده السعيد محمد ثم خلع سنة ست وسبعين، واستقر السلطان أبو العباس بن أبي سالم.
عثمان بن محمدب ن عيسى بن علي بن وهب القشيري فخر الدين بن دقيق العيد المصري، سمع من عم أبيه تاج الدين أحمد بن علي الأول من مشيخة ابن الممتري وناب في الحكم ونظر في الأوقاف ودرس بجامع آق سنقر والمسرورية والنابلسية، وكان مزجي البضاعة، مات في شهر ربيع الأول.
علي بن إبراهيم بن سعد الأنصاري، أبو الحسن بن معاذ، كان يذكر أنه من ذرية سعد بن معاذ الأوسي، وكان فاضلاً مشاركاً في عدة علوم، متظاهراً بمذهب أهل الظاهر يناضل عنه ويجادل مع شدة بأس وقوة جنان ومعاشرة لأهل الدولة خصوصاً القبط، وكتب بخطه شيئاً كثيراً خصوصاً من كتب الكيمياء، وقد سمع من ابن سيد الناس ولازمه مدة طويلة، وسمع منه البرهان محدث حلب، ومات بمصر في رابع شوال. أخذ عنه الشيخ أحمد القصير مذهب الظاهر وكان يذكر لنا عنه فوائد ونوادر وعجائب والله يسامحه.

(1/45)


علي بن الحسن بن خميس البابي الحلبي الشافعي، عني بالعلم وأفتى وانتفع الناس به، ودرس بالسيفية، مات في صفر.
عمر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني الصالحي، المعروف بابن النقبي، سمع من عمر بن القواس معجم ابن جميع وجزء ابن عبد الصمد وغير ذلك وتفرد بذلك، مات في ذي القعدة عن نيف وثمانين سنة.
فاطمة بنت نصر الله بن أبي محمد بن محمد السلامي، قرابة بن نافع، ولدت تقريباً سنة عشر، وأسمعت على الواني، وكانت خيرة دينة، ماتت في صفر سنة مات قريبها.
محمد بن أحمد بن إبراهيم الديباجي المعروف ب المنفلوطي، الشيخ ولي الدين الملوي الشافعي، سمع من الحجار وأسماء بنت صصرى وغيرهما بدمشق، ثم تجرد إلى الروم وأخذ عن جماعة من علمائها، ثم رجع إلى دمشق وقدم القاهرة مراراً، ثم استوطنها ودرس بالمنصورية والسلطانية حسن وغيرهما، وكان فاضلاً متواضعاً جداً، قليل التكلف، إذا لم يجد ما يركب مشى، كثير الإنصاف ولو على نفسه، خبيراً بدينه ودنياه، عارفاً بالتفسير والفقه والأصلين والتصوف، صنف عدة تواليف صغار، فيها مشكلات من تصوف الاتحادية. وكان ابن عقيل قد ولي درس مدرسة حسن قبل موت السلطان، فلما قتل أراد يلبغا هدم المدرسة ومنع ابن عقيل من تدريسها وولاها الشيخ ولي الدين، فغضب ابن عقيل وهجر ولي الدين، ثم استرضى

(1/46)


يلبغا ابن عقيل بالخشابية واستمر التراضي بينهما، وحدث باليسير. قال ابن حجى: كان يحفظ تنجيز التعجيز وسمع في صباه من الحجار وأسماء بنت صصرى. وكان من ألطف الناس وأظفرهم شكلاً، ويرقص في السماع، ويجيد التدريس، وله توليف بديعة الترتيب، وكان يصغر عمته ويتصوف، مات في شهر ربيع الأول عن بضع وستين سنة، وكان الجمع في جنازته حافلاً متوفراً يقال بلغوا ثلاثين ألفاً. قال العثماني الصفدي: رايته شاباً في حلقة النور الأردبيلي حسن الملبوس مشرق الهيئة ثم رأيته بالقدس بعد ثلاثين سنة وعليه دنسة وبيده عكاز وقد نحف جسمه، قال: وتوجه غلى مصر مجرداً فزار الشافعي فحضر الدرس بجانب القبة فعرفه المدرس وأكرمه وأجلسه معه، ثم سأله أن يدرس فدرس في الموضع الذي كانوا فيه اتفاقاً مما عظم به قدره. ويقال إنه قال عند موته: حضرت ملائكة ربي وبشروني وأحضروا لي ثياباً من الجنة فانزعوا عني ثيابي! فنزعوها، فقال: أرحمتموني. ثم زاد سروره ومات في الحال.
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الصمد بن مرجان الصالحي المقرئ الحنبلي، سمع من القاضي سليمان وعيسى بن المطعم ويحيى بن سعيد وغيرهم وحدث، مات في شعبان عن سبعين سنة.
محمد بن رافع بن أبي محمد بن شافع بن محمد بن سلام السلامي، الحافظ تقي الدين الصميدي نسبة إلى قرية من قرى دمشق المصري المولد والمنشأ ثم الدمشقي، ولد سنة أربع وسبعمائة، وسمع بإفادة أبيه من علي بن القيم والحسن سبط زيادة نحوهما، وأجاز له الدمياطي، ثم ارتحل به وأبوه إلى الشام سنة أربع عشرة، وأسمعه من التقى سليمان وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعيسى المطعم وإسماعيل بن مكتوم وست الوزراء، ثم

(1/47)


طلب بنفسه بعد العشرين، وتخرج بالقطب الحلبي وأبي الفتح اليعمري، ورحل سنة ثلاث وعشرين إلى دمشق أيضاً، فسمع من القاسم بن عساكر وأبي نصير بن الشيرازي وابن الشحنة، ولازم المزي والبرزالي والذهبي مدة ثم رجع، ثم عاد صحبة القاضي تقى الدين السبكي سنة تسع وثلاثين، وولي درس الحديث بالنورية بعد الذهبي سنة ثمان وعشرين، وخرج لنفسه معجماً حافلاً في أربع مجلدات، وجمع الوفيات التي ذيل بها على البرزالي، وجمع الذيل على تاريخ ابن النجار لبغداد، وكان ذر صلاح وورع ومعرفة بالفن فائقاً، وكان الشيخ تقي الدين السبكي يرجحه على العماد ابن كثير. قال ابن حبيب: إمام مقدام في علم الحديث ودرايته، ومميز بمعرفة أسماء ذوي إسناده وروايته، ورحل وطلب، وسمع بمصر ودمشق وحلب، وأضرم نار التحصيل واجج، وقرأ وكتب وانتقى وخرج، وعني بما روى عن سيد البشر، وجمع معجمه الذي يزيد على ألفي نفر، وكان لا يعنى بملبس ولا مأكل، ولا يدخل فيما أبهم عليه من أمر الدنيا إذا أشكل، ويختصر في الاجتماع بالناس، وعنده في طهارة ثوبه وبدنه أي وسواس، سكن دمشق وباشر التدريس في الحديث بالنورية وغيرها، ومات بها في شهر جمادى الأولى عن سبعين سنة، وكان أبوه من المحدثين فأحضر ابنة هذا على الشيخ علي بن هارون وابن الصواف وغيرهما وأسمعه من جماعة، ثم حبب إليه الطلب، فرحل به إلى دمشق وحلب، فأسمعه من جماعة، واستجار له أبوه من الدمياطي وغيره، وقرأ أبوه تهذيب الكمال على المزي فسمعه معه، وسمع من التقي سليمان وطبقته ومن بعدهم، ثم رجع إلى القاهرة فتخرج بالقطب والفتح، ثم قدم دمشق صحبة السبكي لما قدم قاضياً، وانتقى له الذهبي جزءاً من عواليه، وحدث قديماً. ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال فيه: المتقن الرحال، رحل به أبوه فسمعه تهذيب الكمال على مؤلفه، ثم مات والده فحبب إليه هذا الشأن، ورحل مراراً منها في سنة تسع وعشرين إلى حلب وحماة وسمع بها وبغيرها. وقال أيضاً: قدم دمشق مراراً وآخرها سنة تسع

(1/48)


وثلاثين فاستوطنها، وحصل وظائف. وذكره في المعجم الكبير أيضاً وأنشد عنه شرعاً أنه أنشده إياه عن الذهبي نفسه فحدث عن واحد عن نفسه بشيء من شعره، ولما توفي المزي أعطاه السبكي مشيخة الحديث النورية وقدمه على ابن كثير وغيره، ولما شغرت الفاضلية عن الذهبي قدمه على من سواه من المحدثين، وذكر لي شيخنا العراقي أن السبكي كان يقدمه لمعرفته بالأجزاء وعنايته بالرحلة والطلب.
قلت: والإنصاف أن ابن رافع أقرب إلى وصف الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير لعنايته بالعوالي والأجزاء والوفيات والمسموعات دون ابن كثير، وابن كثير أقرب إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء لمعرفته بالمتون الفقيهة والتفسيرية دون ابن رافع، فيجمع منهما حافظ كامل، وقل من جمعهما بعد أهل العصر الأول كابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والبيهقي، وفي المتأخرين شيخنا العراقي. وكان ابن رافع كثير الإتقان لما يكتبه والتحرير والضبط لما يصنفه، وابتلي بالوسواس في الطهارة حتى انحل بدنه وأفسد ذهنه وثيابه وتأسف هو على ذلك، ولم يزل مبتلي به حتى مات. قال ابن حجى: كان يحفظ المنهاج والألفية ويكرر عليهما إلى أن مات.
محمد بن عبد الله الصوفي الكازروني الشيخ بهاء الدين، قدم مصر فصحب الشيخ أحمد الحريري صاحب الشيخ ياقوت تلميذ أبي العباس المرسي وانقطع بعده في المشتهى من الروضة، وكان الناس يترددون إليه ويعتقدونه وكان الشيخ أكمل الدين كثير التعظيم

(1/49)


له، وكان أعجوبة في جذب الناس إليه وإقامتهم عنده وانقطاعهم عن أهلهم خصوصاً المرد فإنه كان لا يحضر عنده أحد منهم ثم يستطيع أحد من أهله أن يستعيده، وممن اتفق له معه ذلك من أصحابنا الشيخ بدر الدين محمد بن إبراهيم البشتكي الشاعر المشهور فيما أخبرني به، وكان يكثر الثناء عليه، وذكر لي أنه نسخ له شيئاً كثيراً خصوصاً من تصانيف محيي الدين ابن العربي، وكان منقطعاً إليه إلى أن مات. واتفق من العجائب ما حكاه لي الشيخ نجم الدين البالسي أنه لما مات حضر جنازته في جملة خلق كثير فهو في أثناء دفنه وإذا باللاحد قد خرج من القبر أمرد جميل الصورة إلى الغاية فاشتغل الناس أو غالبهم بالنظر إليه وقضوا العجب من استمرار ملازمة هذا الجنس للشيخ حتى حين دفنه، ومات في ذي الحجة، أرخه ابن دقماق ليلة الأحد خامس ذي القعدة.
محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن السراج الزبيدي الحنفي، أحد الفضلاء، يكنى أبا يزيد، مات عن ثلاث وخمسين سنة.
محمد بن عبد الكريم بن محمد بن صالح بن هاشم الحلبي، ظهير الدين أبو محمد بن العجمي، سمع صحيح البخاري وسنن ابن ماجه والبعث لابن أبي داود من سنقر الزيني، وسمع مشيخة ابن شاذان من بيبرس العديمي، وسمع من غيرهما وحدث، مات في خامس عشر المحرم عن ثمانين سنة، لأن مولده كان سنة أربع وتسعين وستمائة، سمع منه شيخنا العراقي وأرخه، وسمع منه أيضاً ابن عساكر وأبو إسحاق سبط بن العجمي وهو أقدم شيخ له، والبرهان آخر من روى عنه وآخرون، وطلب بنفسه، كتب الطباق والأجزاء ونسخ كثيراً من الكتب بالأجرة، وكان يسترزق من الشهادة، فإذا طلب منه الإسماع طلب الأجرة لما يفوته من الشهادة بقدر ما يكفيه من القوت.

(1/50)


محمد بن عثمان بن موسى بن علي بن الأقرب الحلبي الحنفي، شمس الدين بن فخر الدين، كان فاضلاً متواضعاً، درس بالأتابكية والقليجية، مات في سنة نيف وستين ذكره ابن حبيب. قال ابن كثير: كان من أحاسن الناس، وفيه حشمة ورئاسة وإحسان. وأخوه شهاب الدين أحمد كان فاضلاً، رحل إلى مصر واشتغل بها ومهر في المعقول، وولي قضاء عينتاب، وأخوهما علاء الدين تلذ للقوام الأبزاري ومهر في الفتوى.
محمد بن علي بن أحمد السمرقندي بن العطار، نزيل دمشق، كان زاهداًُ عابداً ديناً عالماً ملازماً للعلم والعمل، أثنى عليه ابن كثير ووصفه بالجمع بين العلم والعبادة، وكان يؤثر على نفسه حتى بقميصه ويغضب في إزالة المنكر لله، وكان حسن الفهم للعلم على عجمة فيه، وكان يعظ على كرسي، وتحصل له حال في تلك الحالة.
محمد بن علي بن إسماعيل الزواري، سمع الصحيح من وزيرة والحجار وحدث به، مات في أوائل السنة عن خمس وسبعين قتيلاً.
محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم البكري الفقيه، ناصر الدين الشافعي، ولد سنة سبعمائة، واشتغل كثيراً، وولي تدريس الفيوم مدة طويلة، وكان عارفاً بالأصلين والفقه والعربية والهيئة، وصنف تصانيف مفيدة، وهو والد صاحبنا نور الدين

(1/51)


البكري المعروف بابن قييلة، مات بدهروط في شهر رمضان وهو يصلي الصبح. ورأيت بخط ابن القطان وأخبرنيه إجازة قال: سمعت الشيخ يحيى الجزولي المالكي يقول سمعت الشيخ شهاب الدين بن عبد الوارث البكري يقول: كان بيني وبين الشيخ ناصر الدين وقفة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: اصطلح مع محمد البكري، فسافرت في البر واصطلحت معه قلت: واتفق أن ماتا في شهر واحد.
محمد بن محمد بن أحمد بن الصفي الدمشقي، ناصر الدين بن العتال الحنفي الحاسب، كانت لأبيه رواية عن الحافظ الضياء، ونشأ هو في طلب العلم فسمع الحديث، وتمهر في الفقه واشتغل، وبرع في الحساب، وأتقن المساحة إلى أن صار إليه المنتهى في ذلك والمرجع إليه عند الاختلاف، ولم يكن في دمشق من يدانيه في ذلك، وكان يقصد للاشتغال عليه فيه، ثم إنه ترك ذلك بأخرة وأقبل على التلاوة، وكان مأذوناً له بالإفتاء، ولوالده رواية عن الحافظ الضياء، ومات هو سنة أربع وسبعين، ومن شعره وهو نازل:
حديثك لي أخلى من المن والسلوى ... وذكرك شغلي في السريرة والنجوى.
سلبت فؤادي بالتمني وإنني ... صبرت لما ألقى وإن زادت البلوى.
محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان، شمس الدين الموصلي، نزيل دمشق، ولد على رأس القرن، وكتب بخطه سنة تسع وتسعين، وكتب الخط المنسوب، ونظم الشعر فأجاد، وكان أكثر مقامه بطرابلس ثم قدم دمشق وولي خطابة جامع يلبغا يسيراً وتصدر بالجامع الأموي. قال العثماني صاحب تاريخ صفد: رافقته إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وكان لما استقر بدمشق حصل وظائف فعوند فيها فقنع بما تيسر، وصار يتجر في الكتب فحلف تركة هائلة تبلغ ثلاثة آلاف دينار، وشرح نظم

(1/52)


المطالع في مجلدة كبيرة اختصرها من المطالع وحررها، وأرخه في سنة ثلاث وسبعين فوهم. وقال فيه ابن حبيب: عالم علت رتبته الشهيرة، وبارع ظهرت في أفق المعارف شمسه المنيرة، وبليغ يثني على قلمه ألسنة الأدب، وخطيب تهتز لفصاحته أعواد المنابر من الطرب، كان ذا فضيلة مخطوبة، وكتابة منسوبة، وخبرة بالفنون الأدبية، ومعرفة بالفقه واللغة العربية، وله نظم المنهاج ونظم المطالع وعدة من القصائد النبوية، وهو القائل في الذهبي لما اجتمع به:
ما زلت بالطبع أهواكم وما ذكرت ... صفاتكم قط إلا همت من طربي.
ولا عجيب إذا ما ملت نحوكم ... فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب.
ورأيت بخطه نسخة في مجلدة واحدة من صحيح البخاري في غاية الحسن، وتصدر بالجامع الأموي، وولي تدريس الفاضلية بعد ابن كثير، وكان التاج السبكي أسكنه بدار الحديث الأشرفية فاستمر ساكناص بها إلى أن مات.
محمد بن محمد بن الشهاب محمود الحلبي، بدر الدين بن شمس الدين، ناظر الجيش والأوقاف بحلب، سمع على الحجار ومحمد بن أبي بكر بن النحاس وغيرهما وحدث، وولي عدة وظائف، مات وله خمس وسبعون سنة. أخذ عنه شيخنا العراقي وغيره، وكان جواداً مفضالاً ممدحاً.
محمد بن محمد الزفتاوي، ناصر الدين المؤذن، يلقب بساسب، كان عارفاً بالميقات، وباشر الرئاسة في ذلك بالجامع الأزهر وبجامع القلعة، واتصل بالأشراف شعبان وحظي عنده، ومات في شهر رجب.

(1/53)


محمد بن أبي محمد أبو عبد الله الطوسي شمس الدين، سمع القاسم بن عساكر وغيره وحدث بدمشق.
محمد بن يوسف بن صالح الدمشقي المالكي، شمس الدين القفصي، سمع من الشيخ شرف الدين البارزي قاضي حماة وغيره، وولي مشيخة الحديث السامرية، وناب في الحكم، مات في ربيع الأول عن ثلاث وسبعين سنة لأن مولده كان سنة إحدى وسبعمائة، وله نظم.
مرجان بن عبد الله الخادم، نائب السلطنة ببغداد لأويس، وكان قد تغلب عليها فقصده أويس من تبريز ثم حضر إليه فعفا عنه وذلك في سنة سبع وستين، واستمر نائباً ببغداد إلى هذه الغاية. وكان شهماً شجاعاً، كانت الطرقات قد فسدت بسبب عزله، فلما أعيد أصلحها.
منكلي بغا بن عبد الله الشمسي، اتابك العساكر بعد قتل اسندمر، وكان قبل ذلك نائب السلطنة بمصر، وولي إمرة دمشق وحلب وصفد وطرابلس في أوقات، وتزوج بنت الملك الناصر ثم بنت ابنه حسين أخت الملك الأشرف، وكان مشكور السيرة. قال ابن كثير: آثر بدمشق آثار حسنة واحبه أهلها، وهو الذي فتح باب كيسان وكان له من عهد نور الدين الشهيد لم يفتح، وجدد خطبة في مسجد الشهر زوري. قلت: وبنى بحلب

(1/54)


جامعاً أيضاً، وعمر الخان عند جسر المجامع والخان بقرية سعسع، وهو والد خوند زوج الملك الظاهر برقوق.
يحيى بن الرهوني المالكي، تقدم في السنة الماضية.
يعقوب بن عبد الرحمن بن عثمان بن يعقوب، شرف الدين بن خطيب القلعة الحموي، ولد سنة وأخذ عن ابن جوبر وغيره، ومهر في الفقه والعربية والقراءات إلى أن انتهت إليه رئاسة العلم ببلده، وأخذ عنه أكثر فضلائها، وآخر من بقي ممن أخذ عنه موقع الحكم بحماة شرف الدين بن المغيزل، لقيته في سنة ست وثلاثين وثماني مائة بها، وذكر لي أنه قرأ عليه وأجازه، وذكره ابن حبيب في تاريخه وأثنى عليه وقال: انتهت إليه مشيخة بلده، واشتهر بالعلم والدين والصلاح، وكان خطيباً بليغاً وواعظاً مذكراً، مات في شهر، وأرخه العثماني قاضي صفد في المحرم سنة خمس، فكأنه ببلوغ الخبر له.
يوسف بن محمد بن يوسف بن أحمد بن يحيى بن محمد بن علي القرشي الدمشقي، بهاء الدين أبو المحاسن ابن الزكي، أجاز له في سنة خمس وتسعين أبو الفضل بن عساكر والعقيمي والعز الفراء وآخرون، وأجاز له الرشيد بن أبي القسم وابن وزيرة وابن الطبال وغيرهم من بغداد، عني بالفقه والحساب، وكان يحفظ التنبه، وولي وقف درس وقف درس الكلاسة وباشر نظر الأسرى، مات في ربيع الأول.

(1/55)


سنة خمس وسبعين وسبعمائة
فيها في المحرم قتل الجاي اليوسفي، وكان قدتنافر هو والسلطان الأشرف بسبب منازعة وقعت بينهما في تركة والدة السلطان، فركب الجاي واقتتل مع مماليك السلطان بسوق الخيل فكسروه، فانهزم إلى بركة الحبش ثم رجع من وراء الجبل الأحمر إلى قبة النصر، فهرب جماعة من أصحابه إلى السلطان وخامر اينبك عليه، ثم ثار له العسكر السلطاني فهرب فساقوا خلفه إلى الخرقانية من أعمال قيلوب، فرمى بنفسه في بحر النيل فغرق، ثم اطلع من بحر النيل ودفن في ترتبه، وكان أول أمره حاجباً في أول حاجباً في أول دولة يلبغا،

(1/56)


ثم استقر خزندارا، ثم حبس في أيام اسندمر، ثم أفرج عنه بعد قتل اسندمر واستقر أمير سلاح، وتزوج أم السلطان وعلت كلمته إلى أن صار هو الحاكم في الدولة كلها، وكان تام الشكل حسن التودد إلى العوام مع هوج فيه أداه إلى أن ركب على العامة بالسيف في سنة سبعين، فلولا أنه كان في آخر النهار لأفنى منهم خلقاً كثيراً، وذكر بعض خواصه أنه كان يتصدق في كل يوم اثنين وخمسين بألف درهم دائماً، وكان استقراره في الأتابكية بعد منكلي بغا، فلم تطل أيامه في ذلك وقبض على جماعة من حواشيه، فقيل إن سبب مخامرته أنه كان يبيت عند السلطان ليلة الموكب فجاءه من أخبره أن السلطان يريد القبض عليه فتأخر وأرسل أحضر ثياب مبيته، فأرسل له السلطان يعاتبه فاعتذر، ثم شرع في تفرقة السلاح على أتباعه، فبلغ السلطان فأمر الأمراء بالاجتماع عنده، فلما كان في السابع من المحرم ركب الجاي ممن معه إلى الرميلة والتقى مع أطلاب الأمراء ومماليك السلطان، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قيل أنهم التقوا أحد عشر وجهاً وقتل جماعة وجرح جماعة في الأخر انهزم الجاي إلى قبة النصروتفرق عنه الجيش وتردد الناس من عند السلطان إليه في الصلح فلم يتم، وأرسل إليه خلعة بنيابة حماة فلم يقبل، ثم تقلل الجمع عنه إلى أن صار في خمسمائة، فخرج إليه أرغون شاه في جماعة من الخاصكية فقاتلوه فانهزم وتفرق من معه، ونودي

(1/57)


بالقاهرة: من أمسك مملوكاً من مماليك الجاي أخذ خلعة، فقبض على أكثرهم وصودر من كان في خدمته، واستقر أيدمر نائب طرابلس أتابك العساكر، أحضره السلطان منها بعد قتل الجاي في صفر، واستقر في نيابة طرابلس يعقوب شاه، واستقر اقتمر عبد الغني في نيابة السلطنة بمصر.
وفيها غضب السلطان على سابق الدين مثقال مقدم المماليك وأمره بلزوم بيته، وولي عوضه مختار الجانمي ثم أعيد سابق الدين إلى وظيفته بعد قليل.
وفيها في شهر رمضان حضر منجك نائب الشام إلى مصر فاستقر نائب السلطة بها، وفوضت إليه جميع أمور المملكة من الكلام في الوزارة والخاص والأوقاف والأحباس وإخراج الأقطاع إلى ستمائة دينار والعزل والولاية لأرباب المناصب بما يقتضيه رأيه، وقرئ تقليده بذلك، وكان النائب قبله اقتمر عبد الغني فنفي إلى الشام في جمادى الأولى، وكانت مدة نيابة أربعة أشهر، ثم قرر نائباً بطرابلس عوضاً عن يعقوب شاه.
وفيها في صفر أبطل الملك الأشرف ضمان المغاني ومكس القراريط التي كانت في بيع الدور وقرأ بذلك مرسوم على المنابر، وكان ذلك بتحريك الشيخ سراج الدين البلقيني وإعانة

(1/58)


أكمل الدين وبرهان الدين بن جماعة، ويقال إن السلطان كان توعك فأشاروا عليه بذلك فاتفق أنه عوفي فأمضى ذلك واستمر.
وفيها توقف النيل عن الزيادة وأبطأ الوفاء إلى أن دخل توت أول السنة القبطية، ووقع الناروز قبل كسر الخليج حتى قال بدر الدين ابن الصاحب:
ناروز مصر بلا وفاء ... يعد صفعا بغير ماء.
واستمر التوقف إلى تاسع توت فاجتمع العلماء والصلحاء بجامع عمرو بن العاصي واستسقوا، وكسر ذلك اليوم الخليج عن نقص أربعة أصابع من العادة، ثم توجهوا إلى الآثار وأخذوها إلى المقياس فأقاموا من قبل العصر إلى آخر النهار يتوسلون إلى الله تعالى ويبتهلون ويستسقون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، ثم نودي بصيام ثلاثة أيام، وخرجوا في ثالث ربيع الآخر إلى الصحراء مشاة، وحضر غالب الأعيان ومعظم العوام وصبيان المكاتب ونصب المنبر، فخطب عليه شهاب الدين ابن القسطلاني خطيب جامع عمرو وصلى صلاة الاستسقاء ودعا وابتهل وكشف رأسه، واستغاث الناس وتضرعوا، وكان يوماً مشهوداً، وفي صبح هذا اليوم اجتمع العوام بالمصاحف وسألوا أن يعزلوا علاء الدين بن عرب عن الحسبة، فعزل واستقر عوضه بهاء الدين بن المفسر وأضيفت إليه وكالة بيت المال ونظر الكسوة، ثم عزل في أثناء السنة وأعيد علاء الدين، فاتفق وقوع أمطار كثيرة بحيث زرع الناس عليها البرسيم، وكان في الصعيد أيضاً مطر غزير زرع الناس عليه بعض الحبوب،

(1/59)


واتفق أيضاً زيادة النيل في سابع هاتور الموافق لنصف جمادى الأولى، واستمر أياماً، ثم نقص بعد أن بلغت الزيادة ثمانية عشر إصبعاً، وابتدأت زيادة الأسعار في الغلال والحبوب من شهر ربيع الأول وهلم جراً إلى أن بلغ سعر الأردب خمسين درهماً تقدير دينارين هرجة ونصف وثلث، ثم تزايد إلى الستين والسبعين، وهذا في ذلك الوقت نحو أربعة دنانير.
وفيها عزل ابن الغنام من الوزارة، وولي عوضه تاج الدين الملكي المعروف بالنشو، وكان استقر ناظر الدولة في هذه السنة عوضاً عن ابن الرويهب بعد نفي ابن الرويهب إلى الشام، واستمر ابن الغنام في نظر المارستان، ثم عزل بالبرهان الحلبي ناظر بيت المال، ثم أعيد ابن الغنام.
وفيها ولي أحمد بن آل مالك نيابة غزة، ثم عزل وولي نظر القدس والخليل، ثم عزل ورجع إلى القاهرة في رمضان.
وفيها في شعبان استقر بهاء الدين أبو البقاء قاضياً بالشام، ونقل قاضيها كمال الدين المعري إلى قضاء حلب عوضاً عن فخر الدين الزرعي بحكم واستقر في تدريس الشافعي بعده ولده بدر الدين، ثم انتزعه منه ابن جماعة.
وفيها في جمادى الآخرة استقر بيدمر الخوارزمي في نيابة السلطنة بحلب، ثم نقل عنها إلى نيابة دمشق في شهر رمضان وأعيد اشقتمر المارديني إلى حلب، ونقل منجك إلى القاهرة كما تقدم، وكان دخول منجك إلى القاهرة في ذي القعدة، وخرج جميع العساكر لملتقاه، ولم يتأخر عنه إلا السلطان، وولاه النيابة، كما تقدم، واستقر شهاب الدين أحمد بن علاء الدين

(1/60)


بن فضل الله كاتب السر بدمشق عوضاً عن فتح الدين بن الشهيد.
وفيها وصل حيار بن مهنا أمير آل فضل إلى باب السلطان طائعاً، فخلع عليه واستقر في إمرة العرب، وكان السلطان قد غضب عليه بسبب قشتمر بحلب قبل هذا التاريخ.
وفيها فتحت مدرسة الجاي بعد موته، وكان بقي من عمارتها شيء فأكمله الأوصياء، واستقر في تدريس الشافعية بها الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي تدريس الحنفية جمال الدين محمود القيسري.
وفيها لازم شخص من العوام الصياح تحت القلعة: اقتلوا سلطانكم ترخص أسعاركم، فأخذ وضرب بالمقارع وشهر.
وفيها كائنة جمعة البواب، وذلك أنه كان مقيماً بتربة خارج باب النصر، وكان هو وامرأته يأخذان الأطفال اغتيالاً فيخنقانهم لأجل أثوابهم، فقبض عليهما فاعترفا فقتلا شنقاً.
وفي أول جمادى الأولى حدثت زلزلة لطيفة.
وفي هذه السنة ابتدأت قراءة البخاري في رمضان بالقلعة بحضرة السلطان، ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئاً، ثم اشرك معه شهاب الدين أحمد بن علي العرياني يوماً بيوم.

(1/61)


وفيها كان الغرق ببغداد، زادت دجلة زيادة عظيمة وتهدمت دور كثيرة حتى قيل إن جملة ما تهدم من الدور ستون دار، وتلف للناس شيء كثير بسبب ذلك، ويقال إنه لم يبق من بغداد عامر إلا قدر الثلث، ودخل الماء الجامع الكبير والمدارس، وصارت السفن في الأزقة تنقل الناس من مكان إلى مكان ثم من تل إلى تل ثم يصل الماء إليهم فيغرقهم، وجرت في بغداد بسببه خطوب كثيرة، وخلا أكثر أهلها، ثم عاد من عاد فصار لا يعرف محلته فضلاً عن داره.
وفيها هبت ريح عاصفة حارة بسنجار فأحرقت أوراق الأشجار.
وفيها ورد إلى حلب سيل عظيم على حين غفلة وارتفع زيادة عن العادة فخرب بسببه دور كثيرة وخربت نواحي كثيرة بالرها والبيرة.
وفيها ولي فخر الدين عثمان البرقي ولاية القاهرة.
وفيها كان غرق بغداد، وامتدت دجلة حتى اختلطت بالفرات وأرسلت إليها الأنهار والعيون والسحب من كل جهة حتى بقيت بغداد في وسط الماء كأنها قصعة في فلاة، وصارت الرصافة ومشهد أحمد ومشهد أبي حنيفة وغيرهما من المشاهد والمزارات لا يوصل إليها إلا المراكب، فصار أهل بغداد في أرغد عيش من كثرة النزه التي حدثت بذلك وانفتح من البستان الأربعين الذي كان الخليفة اتخذه منتزهاً في وسط دوره فتحة على باب الأزج فتدافع أمراء بغداد في سدها ورمى ذلك بعضهم على بعض، وكان الشيخ نجم الدين التستري في تلك الأيام قد عزم على الحج في خمسين نفراً من الصبوفية وقد هيأ من الزاد ما لا مزيد عليه، فاستدعى خادمه وقال: أنفق على سد هذه الفتحة جميع ما معنا حتى الزاد، ففعل،

(1/62)


ويقال: انصرف عليها عشرة آلاف دينار، وبلغ السلطان أويس ذلك فاستعظم همته ووعد أنه يكافيه، ثم اكترى من الملاحين على حمل رحله وجماله ورجالته من بغداد إلى الحلة، وكان سفر الناس أجمعين في تلك السنة في المراكب، وخرجوا في خامس شوال فلم يمض لهم إلا خمسة أيام حتى هبت ريح عاصف قصفت سور المدينة، ثم تزايد الماء فانكسر الجسر وغرقت غالب الدور حتى أن امرأة من الخواتين ركبت من مكانها إلى كوم من الكيمان بألف دينار وتقاتل الناس وذهبت أموالهم، وأصبح غالب الأغنياء فقراء، ثم بعد عشرين يوماً نقصت دجلة وانقطع الماء الذي يوصل بغداد من المقطع فبقيت البلد كأنها سفينة غرقت، ثم نقص الماء الذي يوصل بغداد من المقطع فبقيت البلد كأنها سفينة غرقت، ثم نقص الماء فبقيت ملآنة بأهلها ودوابهم الموتى فجافت ونتنت وبقي الماء كأنه الصديد، فوقع الفناء في الناس بأنواع من الأمراض من الاستسقاء وحمى الدق، وغلت الأسعار. وكان أويس بتبريز فلما بلغه غضب على نوابه، فالتزم الوزير عن نائبه أن يعمر بغداد من خالص ماله بشرط أن يطلق الناصر العراق ثلاث سنين للزراع والمعامل وأن لا يطالب أحد أحداً بدين ولا بصداق ولا بإجازة ولا بحق، فقبل السلطان ذلك، فشرع في ذلك ونادى: من أراد عمارة بيته يجيء يأخذ دراهم ويسكن فيه بالأجرة حتى يوفي ما يقترضه ثم يصير البيت له، وأخذ في عمارة السوق والسور. وكان أويس قد عمل العراق وشن الغارات كرهاً على بغداد في هلاكها، ثم آل أمره إلى أن خلع نفسه عن الملك لولده حسين وأوصى، فحبس ابنه الآخر حسن لأنه كان استنابه في سلطانه، فقتل الأمراء وعصى، وأوصى لولده على بغداد وحفر له قبراً، فاتفق أن ضعف يوم الأحد ومات بعد أسبوع، وأقامت بغداد ستة أشهر لا يدخلها سفر ولا يخرج منها سفن

(1/63)


والله المستعان.

ذكر من مات
في سنة خمس وسبعين وسبعمائة من الأعيان.
إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن بن نشوان المخزومي المصري، بدر الدين أبو إسحاق بن أبي البركات بن الخشاب الشافعي، كان يذكر نسباً له إلى خالد بن عمر بن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، سمع على وزيرة والحجاز والشريف موسى بن علي وعلي بن القيم وغيرهم وحدث، وناب في الحكم بالقاهرة، وكان فصيحاً بصيراً بالأحكام عارفاً بالمكاتب، ثم ولي قضاء حلب ثم قضاء المدينة وخرج منها بسبب مرض أصابه في أثناء هذه السنة راجعاً إلى مصر، فمات في الطريق بين ينبع والعيون وله سبع وسبعون لأن مولده كان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة.
أرغون الأحمدي اللالا، أحد أكابر الأمراء، مات بالإسكندرية.
أسن قطلي الإبراهيمي. واسندمر الجوباني. واسن قجا اليلبغاوي، كان رأس نوبة السلحدارية. وآقبغا من مصطفى. وآل ملك الصرغتمشى. وأروس بن عبد الله المحمودي. والجاي اليوسفي، تقدمت ترجمته في الحوادث. وبكتمر الجمالي. وتغرى برمش بن الجاي اليوسفي.

(1/64)


أبو بكر بن عبد الله الدوهرطي الفقيه الشافعي السليماني، كان يحفظ الكثير من الشامل لابن الصباغ مع الزهد والخير، وكان لأهل بلاده فيه اعتقاد زائد، وكان يقول إنه جاوز المائة، مات في شوال.
حسن بن محمد بن سرسق بن محمد بن عبد العزيز بن الشيخ عبد القادر الجيلي المارديني السنجاري، بدر الدين، كانت له حرمة ووجاهة بتلك البلاد، مات أبوه سنة تسع وثلاثين وسبعمائة عن سن عالية، وكان قد حج سنة خمس وثمانين وستمائة، وأثنى عليه الشيخ تاج الدين بن الفركاح، ومات بدر الدين هذا في هذه السنة عن سن عالية أيضاً.
زياد بن أحمد الكاملي اليمني، فخر الدين، أحد أكابر الأمراء عند الأفضل، مات بالجثة وكانت أقطاعه. وانجب ولده الأمير بدر الدين محمد الذي تقدم بعد ذلك في دولة الأشراف وولده الناصر.
زينب بنت قاسم بن عبد الحميد بن العجمي، سمعت على الفخر بن البخاري مشيخته، سمع منها بعض شيوخنا وحدثت، ماتت في هذه السنة عن تسعين سنة.
شاكر بن غبريل بن عبد الله بن البقري الكاتي، ناظر الذخيرة، مات في شوال، نسبته إلى دار البقر من الغربية، وكان نصرانياً فأسلم على يد شرف الدين موسى

(1/65)


الأزكشي، وباشر نظر الذخيرة في أيام السلطان حسن، وهو الذي بنى المدرسة البقرية بقرب جامع الحاكم، ولما احتضر أبعد من عنده من النصارى وأرسل إلى كمال الدين الدميري وغيره من أهل العلم فلقنوه الشهادة عند موته، ودفن بمدرسته.
صبيح بن عبد الله الخازن النوبي الجنس، كان مقدماً في دولة الأشراف حتى كان لا يقول له إلا: يا أبى! وكان الأكابر يدعونه بذلك، مات في المحرم وخلف ملاً كثيراً جداً وأملاكاً كثيرة، وكان يوصف بخير ودين.
طيبغا الفقيه.
عبد الغفار بن محمد بن عبد الله القزويني الشافعي، رضي الدين، اشتغل بالفقه فمهر، وولي نيابة الحكم ببغداد، ومات في ذي القعدة بعد الغرق من هذه السنة، وكان حسن الخلق والخلق ديناً متواضعاً.
عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء الحنفي، أبو محمد محيي الدين القرشي، ولد سنة ست وتسعين وستمائة، وسمع وهو كبير، وأقدم سماع له على ابن الصواف، سمع منه مسموعه من النشاي ومن الرشيد بن المعلم ثلاثيات البخاري، ومن حسن الكردي الموطأ، ومن عبد الله بن علي الصنهاجي وزينب بنت أحمد بن شكر وغيرهم، ولازم الاشتغال فبرع في الفقه ودرس وأفاد وصنف، وشرح الهداية سماه العناية وشرح معاني الآثار للطحاوي، وعمل الوفيات من سنة مولده إلى سنة ستين، وصنف البستان في فضائل النعمان، والجواهر المضيئة في طبقات الحنفية وغير ذلك، مات في شهر ربيع الأول بعد أن تغير وأضر.

(1/66)


علي بن أحمد بن كسيرات الحاج علي مهتار الطشتخاناة، كانت له وجاهة، زائدة عند الأشراف، وكان قد خدم الناصر محمداً ومن بعده إلى أن مات في المحرم.
علي بن الحسن الأسناوي، نور الدين، أخو الشيخ جمال الدين، كان فقيهاً فاضلاً، شرح التعجيز. وكان موصوفاً بكثرة المال ولا يظهر عليه مع ذلك أثره، مات في رجب.
علي بن الحسين بن علي بن عبد الله بن الكلاي البغدادي المقرئ الحنبلي، سبط الكمال عبد الحق، ولد سنة ثلاث وتسعين، وأجاز له الدمياطي ومسعود الحارثي وعلي بن عيسى بن القيم وابن الصواف والشريف موسى بن علي بن أبي طالب الموسوي وغيرهم. قال ابن حبيب: كان كثير الخير والتلاوة، حج مراراً وجاور، ومات في هذه السنة، وخرج له ابن حبيب مشيخة.
عمر بن تقي الدين المسعودي، شيخ خانقاه بكتمر، مات في ذي الحجة.
محمد بن عبد الله بن أحمد بن الناصح عبد الرحمن بن محمد بن عياش بن حامد السوادي الأصل الدمشقي الحنبلي، شمس الدين المعروف بقاضي الكفر كان من رؤساء الدمشقيين، أفتى ودرس وحدث مع المروءة التامة والهيئة الحسنة، مات في ذي الحجة، سمع منه ابن ظهيرة.

(1/67)


محمد بن عبد الله، بدر الدين الأربلي، الأديب المعمر، ولد سنة ست وثمانين وستمائة، ومهر في الآداب ودرس بمدرسة مرجان ببغداد، ومات في جمادى الآخرة.
محمد بن عبد الله الكركي، تاج الدين، كان قاضياً ببلده ثم بالمدينة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام ثم قدم القاهرة وولي نيابة الحكم بمصر عن أبي البقاء ثم عن ابن جماعة وكان منفرداً بذلك فيها إلى أن مات في شعبان، وكان فاضلاً مستحضراً مشكور السيرة.
محمد بن عمر بن علي بن عمر الحسيني القزويني ثم البغدادي، محب الدين، إمام الجامع ببغداد، وكان أبوه آخر المسندين بها، حدث عن أبيه وغيره، واشتغل بعد أبيه على كبر إلى أن صار مفيد البلد مع اللطافة والكياسة وحسن الخلق، وصار يسمع البخاري في كل سنة ويجتمع عنده الخلق الكثير، مات في هذه السنة عن نيف وستين سنة.
محمد بن عيسى اليافعي الفقيه الشافعي، قاضي عدن، كان فاضلاً خيراً، وهو والد صاحبنا الفقيه عمر قاضي عدن أيضاً.
محمد بن قاسم بن محمد بن علي الغساني المالقي، كان عارفاً بالقراءات مع مشاركة في الفنون، وهو من شيوخ شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي.
محمد بن محمد البكري صدر الدين الحنفي، قاضي الإسكندرية، كان أصله من الشام، فقدم مصر فولاه السراج الهندي نيابة الحكم، ثم ولي قضاء الإسكندرية إلى أن مات في ذي القعدة.

(1/68)


محمد بن مسعود المقرئ المالكي، صلاح الدين، تلا بالسبع علي التقي الصائغ، وكان متصدياً للإقراء حتى أن القاضي محب الدين ناظر الجيش كان يقرأ عليه.
ماجد بن إسحاق بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، سعد الدين بن تاج الدين القبطي المصري، ناظر الخاص بدمشق، عظمه ابن حبيب وأثنى عليه.
مارى حاطة بن منشا مغا بن منشا موسى بن أبي بكر التكروري صاحب التكرور، مالك بعد أبيه وهادي الملوك، وكان كثير التبذر والفسق فطرقه مرض النوم فصار ساسا مدة حتى مات في هذه السنة، وملك ابنه منشا موسى.
محمود بن علي بن عبد العزيز بن أبي جرادة، نور الدين الحنفي العقيلي الحلبي، ولد سنة أربع وسبعمائة، ومات في المحرم.

(1/69)


محمود بن قطلوشاه السراي الحنفي، أوحد الدين قدم من بلاده وهو كبير فأقام بالشام مدة، فشغل وأفاد. وتخرج به جماعة، ثم أقدمه صرغتمش بعد وفاة القوام الاتقاني فولاه مدرسته فلم يزل بها إلى أن مات. وكان غاية في العلوم العقلية والأصول والعربية والطب مع التودد والسكون والانجماع مع عظم قدره عند أهل الدولة، مات في شهر رجب عن ثمانين سنة أو أزيد.

(1/70)


سنة ست وسبعين وسبعمائة
فيها طلع النيل على عادته وأوفى في ربيع الأول رابع عشرى مسرى، واستهلت والغلاء قد تزايد جداً إلى أن بلغ الأردب بمائة وعشرة ثم بلغ في شعبان مائة وخمسة وعشرين، وقيمتها بالذهب إذ ذاك خمسة مثاقيل وربع، وبيع إذ ذاك دجاجة واحدة بأربعة دراهم، وصار أكثر الناس لا يقدر إلا على النخالة كل قرص أسود بنصف درهم، وأكل الفقراء السلق والطين، وكادت الدواب أن تعدم لكثرة الموت بها، وأكلوا الميتات، وأمر السلطان بتفرقة الفقراء على الأغنياء، فكان على الأمير المقدم على الألف مائة فقير، وعلى كل أمير بعدد ممالكيه ونحو ذلك، وعلى الدواوين كل واحد بحسبه، وعلى التجار كذلك، ونودي في البلد بأن من سأل في الأسواق صلب، ومن تصدق عليه ضرب.

(1/71)


وفيها عقب الغلاء وزيادة النيل وتكامل الزرع وقع الفناء فتزايد في الفقراء لا سيما لما دخل البرد، وزاد ذلك إلى أن بلغ في اليوم من الحشريين مائتي نفس ومن الطرحاء نحو خمسمائة، ثم بلغوا إلى نحو الألف، وتصدى الأمير ناصر الدين بن آقبغا آص والأمير سودون الشيخوني لدفن الطرحاء من أموالهما. وبلغ ثمن الفروج خمسة وأربعين، والسفرجلة خمسين، والرمانة عشرة، والبطخية سبعين، ثم ارتفع الفناء وتراجع السعر إلى أن بيع القمح في ذي القعدة سعر سبعين وفي آخرها إلى عشرين.
وفيها أعيد ابن الغنام إلى الوزارة في شهر رجب، وسلم له التاج الملكي فصادره إلى ثمانين ألف دينار، ونفاه إلى الشام على حمار، وخرب داره بمصر إلى الأرض.
وفيها صرف كمال الدين المعري من قضاء حلب، وأعيد الفخر الزرعي.
وفيها شغر قضاء الحنفية بموت قاضيه صدر الدين بن التركماني، فطلب الأشرف القاضي شرف الدين بن منصور لذلك من دمشق فحضر فلم يتم له أمر، وعرض السلطان القضاء على الشيخ جلال الدين التباني فامتنع فألح عليه وأحضرت الخلعة فأصر على الامتناع وقال: العجم لا يعرفون أوضاع أهل مصر، فآل الأمر إلى استقرار صدر الدين بن الكشك.

(1/72)


وفي ربيع الأول تحدث السلطان بسفر الحجاز وأمر الأمراء بالتجهيز.
وفي آخر السنة قبض على الوزير ابن الغنام وأبطل من الوزارة، واستقر شرف الدين موسى الأزكشي مشيراً، وسعد الدين بن زيشه ناظر الدولة.
وفيها حضر إلى الطاعة أحمد بن يغمر التركماني أحد الشجعان وكان يقطع الطريق على تجار العراق فطلبه السلطان فهرب، فشدد عليه الطلب فاستشفع بأم سالم الدوكاري التركماني، فحضرت صحبته إلى القاهرة وشفعت فيه عند السلطان فقبلها وأقطعه أقطاعاً بمصر وأمره بالإقامة بها.
وفي رابع عشرين ذي الحجة عزل القاضي برهان الدين بن جماعة نفسه من القضاء بسبب تثقيل بعض الأمراء عليه في أمر بعض الموقعين، فراسله السلطان فامتنع، فأرسل إليه بهادر أمير آخور فخلف عنده بالطلاق أن السلطان حلف بالطلاق أنه إن لم يجب إلى العود نزل إلى بيته وألزمه به، ولم يزل به إلى أن ركب معه إلى القلعة فاجتمع بالسلطان فسأله أن يعود وألح عليه، فكان آخر كلامه الإمهال إلى أن يستخير الله تعالى في الليلة، فلما أصبح طلع إلى القلعة في الخامس والعشرين من ذي الحجة واشترط شروطاً أجابه السلطان إليها، ونزل في أبهة عظيمة إلى الغاية، وازدادت مهابته وتصميمه في الأمور.
وفيها أمطرت بشيرز ثعابين على ما قيل.
وفيها أحضر عيسى بن بانجك وإلى الأشمونين، وكان يسكن عند جامع آل

(1/73)


ملك بالحسينية إلى الأمير منجك بنتاً له عمرها خمس عشرة سنة فذكر أنها لم تزل بنتاً إلى هذه الغاية فانسد الفرج فظهر لها ذكر وانثيان واحتلمت، فشاهدوها وأمر بإلباسها لبس الرجال وسماها محمداً، وأمرها بلزوم خدمته وأقطعها أقطاعاً، وشاهدها جماعة من أصحابنا.
رأيت بخط ابن دقماق: رأيته غير مرة وتكلمت معه، وقصتها شبيهة بالقصة التي ذكرها ابن كثير في أواخر ذيل تاريخه من وقوع نحو ذلك بدمشق، وأنه كدمها بعد أن صار رجلاً، ووجد في كلامها أنوثة ووفور الحياء الذي طبع عليه النساء باق.
قلت: ووقع في عصرنا نظير ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثماني مائة.
وفيها بعد موت السلطان أويس صاحب تبريز وبغداد استقر في السلطنة ولده حسين، وكان له حسن وحسين وأحمد وعلي وغيرهم، وأكبرهم حسن فقتله الأمراء خشية من شره، وسلطنوا حسيناً لضعفه، فتشاغل باللهو واللعب، وصار يخطف النساء من الأعراس وغيرها، فقتلوه أيضاً وسلطنوا أحمد، فجاء أخوهم شيخ على منكراً قتل أخيه حسن، فاجتمع لكل جماعة من الأمراء، فوقعت بينهم مقتلة بناحية أربل، فقتل شيخ علي في المعركة.
وفيها وثب شاه شجاع صاحب شيراز بعد موت أويس إلى تبريز، فملكها وأساء السيرة، فراسل أهل تبريز حسين بن أويس، فتجهز إليه في العساكر، فلما بلغ ذلك شاه شجاع تقهقر عن تبريز ودخلها حسن ومن معه بغير قتال.
وفيها فتحت سيس وكانت قد بقيت في يد الأرمن النصارى على يد اشقتمر المارديني

(1/74)


نائب حلب، وكان قد تجهز إليها بعسكر حلب فنازاها شهرين إلى أن قلت عندهم الأقوات، فنصب عليها المجانيق وقدم في القتال التركمان من جميع الأصناف الأرج فيه واليورقية، وكان الذي نصب المنجنيق يقال له: المعلم خليل الغساني، وهو ممن اشتهر بالمعرفة فيه فأبلى فيهم فأحسوا بالبوار، فطلب صاحبها تكفور الأمان وسلم القلعة، فعلت كلمة أهل التوحيد بتلك البقعة بعد دهر طويل، وجهز اشقتمر صاحب سيس وجنده إلى القاهرة، ودقت البشائر بسبب ذلك، ومدح الشعراء اشقتمر فأكثروا فمن ذلك قول أبي بكر بن زين الدين بن الوردي:
يا سيد الأمراء فتحك سيسا ... سر المسيح وأحزن القسيسا.
وبك الإله أعز دين محمد ... وأذل قوماً تابعوا إبليسا.
لله درك من مليك حازم ... ضحك الزمان به وكان عبوساً.
وهي طويلة. وقال جمال الدين سليمان بن داود المصري عم صاحبنا شمس الدين محمد بن الخضر بن داود الموقع.
لقد أذعنت للأخذ سيس وجئتها ... بيوم خميس بينهم سر إلى الصبح.
سفحت دماء المشركين بسفحها ... فسالت بسيف الله في ذلك السفح.

(1/75)


وفوض الأشرف نيابة سيس ليعقوب شاه، وهو أول من حكم فيها من ملوك الترك، ثم استقر عوضه في هذه السنة آقبغا عبد الله، واستقر نجم الدين بن الشهيد كاتب السر بها، ثم جعلت مملكة برأسها وسميت الفتوحات الجاهانية وأضيفت إليها طرسوس وأذنة وإياس وغيرها واستقر في إمرتها شرف الدين موسى بن محمد بن شهرى واستقر بها.
وفيها كائنة الشيخ محمد المقارعي، كان عامياً يقول الشعر ويدعى العرفان، ويجتمع إليه العوام فيتكلم بكلمات فظيعة، فثار عليه جماعة من الحنابلة، وادعى عليه عند صدر الدين بن العز قاضي الحنفية بدمشق بأشياء قبيحة تشتمل على الاتحاد والطعن في القرآن والشريعة وإنكار البعث، وشهد عليه ببعضها فسجن، ثم سعى بعض من تعصب له، فنقل إلى القاضي أبي البقاء وجددت عليه الدعوى، فأجاب بأنه أشعري وأن من شهد عليه حنبلي وأنهم تعصبوا عليه، وأحضروا كتاباً زعموا أنه من تأليفه وأنه يشتمل على زندقة، فتأمله القاضي، فذكر أنه ليس فيه شيء من ذلك ورده إلى السجن، ثم أخرج في المحرم من السنة المقبلة وجددت عليه الدعوى وشهد بعض الشهود، ثم آل الأمر إلى أن حقن دمه وأطلق.
وفيها صادف الحاج سيل عظيم بخليص، اتلف شيئاً كثيراً في الذهاب، ثم صادفهم في الرجعة هواء عاصف. وكان الشعير في الطلعة قد غلا جداً حتى بيع الكيل بمائة.
وفيها وقع الغلاء بحلب وأعمالها كنحو ما وقع بمصر.
وفيها كان الطاعون فاشياً بدمشق من رمضان من السنة الماضية، فتزايد في المحرم إلى أن بلغ خمسمائة، ثم تناقص بعد ذلك، ومات فيه جماعة من الأعيان، فذكر الشهاب بن حجى أن يعقوب الدلال بسوق الخيل أخبره أنه رأى الجن عياناً على خيل كالجراد المنتشر

(1/76)


بأيديهم رماح في بعض أزقة الصالحية وطاعنهم وطاعنوه، وصار يتحدث بذلك ويحلف، والناس ما بين مصدق ومكذب، فطعن هو ومات عن قرب، ورثى في بدنه أثر طعنات، قال: أخبرني بذلك من ولي غسله.
وفيها ولي سري الدين أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن محمد بن عمر الأندلسي المالكي قضاء حلب، وهو أول مالكي قضى بها.
وفيها لما قرأ البخاري أمر السلطان مشايخ العلم أن يحضروا عنده سامعين ليتباحثوا، فحضر جماعة من الأكابر.
وفيها مات من أمراء الترك جماعة، منهم: اسنبغا القوصوني، واسنبغا البهادري، والطنبغا النظامي، وسلطان شاه بن قرا، وطغيتمر دوادار يلبغا الكبير، وقرقماش الصرغتمشي.
وفيها حج الصالح صاحب حصن كيفا وعزم على المجاورة والتخلي عن الملك، فأشار عليه من معه من أمرائه بتأخير ذلك لئلا تضيع المصلحة بأهله وقومه بالحصن، فرجع إلى مقر ملكه، وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى في حوادث 780، من تفويضه حصن كيفا لأخيه سليمان.

ذكر من مات
في سنة ست وسبعين وسبعمائة من الأعيان.
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن محمد بن هبة الله الحلبي، كمال الدين ابن أمين الدولة الحنفي، كان وكيل بيت المال بحلب، ولي بها عدة ولايات،

(1/77)


وكان كاتباً مجيداً، وقد سمع من سنقر الزيني البخاري ومشيخته تخريج المقاتلي والذهبي، ومن إبراهيم ابن عبد الرحمن الشيرازي جزء ابن عيينة، ومن أبي بكر أحمد وأبي طالب عبد الرحيم ابني ابن العجمي جزء ابن فارس وحدث، مات في جمادى الأولى عن إحدى وثمانين سنة لأن مولده كان في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين، سمع من ابن ظهيرة بحلب ودمشق.
إبراهيم بن حسن بن عمر بن حمود البعلي ثم المرقبي، سمع من الحجار، سمع منه ابن حجى وأرخه في صفر.
إبراهيم بن عبد الله البغدادي، نزيل دمشق، وهو شيخ زاوية البدرية تجاه الأسدية ظاهر دمشق، وكان خيراً معمراً صالحاً مثابراً على الخير، مات في ربيع الآخر.
إبراهيم بن محمد بن أحمد الخطيب، سمع من المطعم وابن سعد، وكان جده قيماً بالسامية بالشام، مات في صفر، ويعرف بالخطيب الخيار، وله إجازة من التقي سليمان وجماعة في سنة ثلاث عشرة.
إبراهيم بن محمد بن غريب البعلبكي، القزاز الحمامي، سمع من الخطيب ضياء الدين عبد الرحمن الأربعين المنتقاه من شرح السنة للبغوي تخريج ابن أبي الفتح سنة اثنتين وسبعمائة، وكانت وفاته في ذي القعدة عن نحو ثمانين سنة.
أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن الرهاوي ثم المصري، المعروف بطفيق، سمع من الحسن الكردي والواني والخنتى والدبوسي وغيرهم، وناب في الحسبة، وحدث، سقط من سلم فمات في ذي القعدة.

(1/78)


أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة بن عبد الله، شرف الدين الدمشقي المعروف بابن الكفري، الحنفي، أخذ عن أبيه وغيره، وناب في الحكم مدة، واشتغل وتقدم، ثم استقل بالحكم مدة أولها سنة ثمان وخمسين، وكان قد ترك القضاء، نزل عنه لولده يوسف سنة ثلاث وستين وأقبل هو على الإفادة والعبادة وإقراء القرآن بالروايات حتى مات عن خمس وثمانين سنة وقد كف بصره، وكان مولده سنة تسعين أو إحدى وتسعين، وقيده البرزالي فيها، وكتب اسمه في إجازة أجاز له فيها التقى الواسطي وأخوه وابن القواس وابن عساكر وابن أبي عصرون والفاروثي والغسولي ونحوهم، وسمع من ابن مشرف وعيسى المغازي والجرائدي، سمع منه ابن رافع والشريف الحسيني وماتا قبله، وسمع منه شيخنا العراقي، والشهاب بن حجى وآخرون.
أحمد بن خضر الدمشقي، أحد مشاهير المؤذنين بالجامع الأموي، مات في المحرم.
أحمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الأربدي الدمشقي، تفقه على الشيخ شمس الدين بن خطيب يبرود وغيره، وكان حنبلياً ثم انتقل شافعياً، فمهر في الفقه والأصول والأدب، وكان محبباً إلى الناس، لطيف الأخلاق، قليل الشر، أخذ أيضاً عن الفخر المصري، وسمع من محمد ابن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وكان يذكر أنه سمع الألفية من أحمد بن غانم، وكانت له أسئلة حسنة في فنون من العلم، مات في ليلة الجمعة تاسع عشر صفر.
أحمد بن عبد الله بن علي الحديثي بن السمسار شهاب الدين المقرئ، الملقن بالجامع الأموي بدمشق، كان ذا ثروة، مات في المحرم.
أحمد بن عبد اللطيف بن أيوب الحموي، ولي قضاء طرابلس ثم حلب ثم حماة، ومات بها عن بضع
وستين سنة.

(1/79)


أحمد بن عيسى بن عبد الكريم بن مكتوم القيسي، كان خيراً ديناً، وهو أخو العالم بدر الدين الآتي ذكره في هذه السنة، وفيه ذكر لهذا.
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي، شهاب الدين بن أمين الدين، المعروف بابن عبد الحق، كان مدرس العذراوية بدمشق، مات في شهر ربيع الآخر.
أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله المقدسي الحنبلي، أحضر علي الحجار وأسمع من غيره وتمهر، وعمل المواعيد فأجاد فيها، وكان لوعظه وقع في القلوب، وكانت له عناية بالحديث وفضيلة، مات في ربيع الآخر، وهو أخو المحب عبد الله الذي ماست سنة 37.
أحمد بن محمد بن الحسام آقوش، الرومي الأصل، اليونيني ثم الدمشقي، المؤذن، سمع من ابن مشرف وإسماعيل بن عمر الحموي والحجار وغيرهم، وأجاز له الدشتي والقاضي وابن مكتوم وجماعة وحدث، مات في المحرم.
أحمد بن محمد بن براغيث، أحد الأعيان بالقاهرة، وكان خال أبي، مات في شوال.
أحمد بن محمد بن محمد بن علي الأصبحي، أبو العباس العنابي النحوي، اشتغل في بلاده، ثم رحل إلى أبي حيان فلازمه واشتهر بصحبته وبرع في زمانه، ثم تحول بعده إلى دمشق، وعظم قدره، واشتهر ذكره، وانتفع به الناس، وصنف كتباً منها شرح التسهيل، وشرح اللباب، ومات بها في تاسع عشر من المحرم وقد جاوز الستين. قال ابن

(1/80)


حبيب: عالم حاز أفنان الفنون الأدبية، وفاضل ملك زمام العربية. وقال ابن حجى: كان حسن الخلق، كريم النفس، شافعي المذهب.
أحمد بن إمام الدين محمد بن زين الدين محمد بن أمين الدين محمد بن قطب الدين محمد بن أحمد القسطلاني المكي، الخطيب شهاب الدين، سمع الكثير على الرضي الطبري، وكان خيراً متمولاً، مات بمكة عن ست وستين سنة.
أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد التلمساني المعروف بابن أبي حجلة، نزيل دمشق ثم القاهرة، شهاب الدين أبو العباس، ولد بزاوية جده بتلمسان سنة خمس وعشرين، واشتغل ثم قدم إلى الحج فلم يرجع، ومهر في الأدب، ونظم الكثير، ونثر فأجاد، وترسل ففاق، وعمل المقامات وغيرها، وكان حنفي المذهب حنبلي المعتقد، وكان كثير الحط على الاتحادية، وصنف كتاباً عارض به قصائد ابن الفارض، كلها نبوية، وكان يحط عليه لكونه لم يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ويحط على نحلته ويرميه ومن يقول بمقالته بالعظائم، وقد امتحن بسبب ذلك على يد السراج الهندي. قرأت بخط ابن القطان وأجازنيه: كان ابن أبي حجلة يبالغ في الحط على ابن الفارض حتى أنه أمر عند موته فيما أخبرني به صاحبه أبو زيد المغربي أن يوضع الكتاب الذي عارض به ابن الفارض وحط عليه فيه في نعشه ويدفن معه في قبره، ففعل به ذلك، وكان يقول للشافعية إنه شافعي، وللحنفية إنه حنفي، وللمحدثين إنه على طريقتهم. قال: وكان بارعاً في الشعر مع انه لا يحسن العروض، وعارض المقامات فأنكروا عليه. قال: وكان كثير العشرة للظلمة ومدمني الخمر. قال: وكان جده من الصالحين، فأخبرني الشيخ شمس الدين بن مرزوق أنه سمى بابن أبي حجلة لأن حجلة أتت إليه وباضت على كمه. وولي مشيخة الصهريج الذي بناه منجك، وكان كثير النوادر والنكت ومكارم الأخلاق، ومن نوادره أنه لقب ولده جناح الدين وجمع مجاميع حسنة منها: ديوان الصبابة،

(1/81)


ومنطق الطير والسجع الجليل فيما جرى من النيل، وسكردان السلطان، والأدب الغض، وأطيب الطيب، ومواصيل المقاطيع، والنعمة الشاملة في العشرة الكاملة، وحاطب ليل عمله كالتذكرة في مجلدات كثيرة، والنحر في أعمدة البحر، وعنوان السعادة، ودليل الموت على الشهادة، وقصيرات الحجال، وهو القائل:
نظمي علا وأصبحت ... ألفاظه منمقة.
فكل بيت قلته ... في سطح داري طبقة.
مات في مستهل ذي الحجة وله إحدى وخمسون سنة.
إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن جماعة، الحموي الأصل المقدسي، وجده عبد الرحمن هو أخو القاضي بدر الدين بن جماعة، ولد سنة عشر وسبعمائة، وناب في تدريس الصلاحية، وخطب بالمسجد الأقصى بعد انتقال ابن عمه برهان الدين إلى قضاء القاهرة، وأفتى ودرس، وكان قد سمع على الختني وابن مزير وغيرهما، ومات في ربيع الأول عن ستين سنة.
إسماعيل القلقشبدي، تقي الدين، مات ببيت المقدس، رحمه الله تعالى.
اسنبغا البوبكري، يأتي في السنة التي تليها.
أويس بن الشيخ حسين بن حسن بن آفبغا المغلي ثم التبريزي، صاحب بغداد وتبريز وما معهما، بويع بالسلطنة سنة ستين، وكان محباً في الخير والعدل، شهماً شجاعاً عادلاً خيراً، دامت ولايته سبع عشرة سنة، وقد خطب له بمكة، راسل عجلان بن رميثة صاحب مكة بمال جليل وقناديل ذهب وفضة للكعبة، فخطب باسمه عدة سنين، عاش بضعاً وثلاثين سنة، قيل إنه رأى في النوم أنه يموت في وقت كذا، فخلع نفسه من الملك وقرر ولده حسين بن أويس وصار هو يتشاغل بالصيد ويكثر العبادة، فاتفق موته في ذلك الوقت بعينه.

(1/82)


وكتب إلى المؤرخ حسن بن إبراهيم الحسيني الحصني أنه كان استدعى ولده لذلك، فاتفق موته قبل وصوله إلى بغداد، وكان جده حسين تزوج بغداد بنت النوين جوبان، فبلغ أبو سعيد حسنها فانتزعها منه وأبعده، ولما مات أبو سعيد افترقت مملكة المغل وأخذ كل كبير ناحيةً فملك حسين بغداد، وجرت له حروب وخطوب مع طغاي بن سوتاي ثم مع إبراهيم بن بارنباي بن سوتاي، ورزق النصر واستقام أمره، وكاتب ملوك مصر وهادنهم. وتزوج دلشاد بنت دمشق بن جوبان وهي بنت أخي بغداد المقدم ذكرها، فحظيت عنده حتى كانت هي الحاكمة في مملكة العراق، وعدل في آخر عمره بين الرعية، وظفر في بغداد بخبيئة، قيل إنه وجد فيها خمسمائة ألف مثقال ذهباً، ومات سنة سبع، وخمسين وسبعمائة، فقام بعده ابنه حسين، ومات سنة ستين، فقام بعده أويس.
ايبك بن عبد الله التركي، عز الدين، الكاتب المجود، كان مملوك طوغاي الجاشنكير الناصري فأعتقه، وتعاني الخط جتى فاق أقرانه، برع في الخط المنسوب، وقرر مكتباً في مدرسة أم السلطان الأشرف بالتبانة، مات وقد أسن، وكان خيراً، وشيخه في المنسوب فخرالدين السنباطي.
ايدمر بن عبد الله الناصري الأنوكي، عز الدين، كان دويدارا للناصر، ثم ولي نيابة حلب ثم طرابلس، ثم صار أتابك العساكر بعد الجاي، وكان متواضعاً، جاوز السبعين.
أبو بكر بن حسام الدين الحسن بن أحمد بن الحسن الرازي الحنفي، سمع الصحيح على ابن مشرف، وأجاز له من بغداد عبد الرحمن المكبر وغيره، ومن دمشق عمر بن القواس وأحمد بن عساكر ويوسف الغسولي وغيرهم وحدث عنهم.
أبو بكر عبد المحسن بن معمر، تقي الدين الواسطي الفاروثي المقرئ، كان فاضلاً مشاركاً في عدة فنون، ويقال: اسمه عبد الرحمن وسيأتي.

(1/83)


أبو بكر بن علي بن محمد بن بردس الحنفي الدمشقي الشاهد، سمع الحجار وحدث، مات في المحرم.
أبو بكر بن فليح، يأتي في المحمدين.
حسن بن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي، الشيخ بدر الدين ابن الشيخ علاء الدين، ولد سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وسمع الحجار وغيره، وناب في الحكم عن عز الدين بن جماعة ثم عن برهان الدين بن جماعة، وكان قليل التصدي لذلك، وولي مشيخة سعيد السعداء، ودرس بالشريفية، واختصر الأحكام السلطانية للماوردي فجوده، وكتب شيئاً على التنبيه، مات في شعبان عن خمس وخمسين سنة. وكان له حضور على الدبوسي في الرابعة في القناعة لابن أبي الدنيا.
حسن بن محمد بن أحمد المقدسي الحنبلي، شرف الدين بن صدر الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين، كان موقعاً في الإنشاء، ومدرساً بجامع الحاكم، مات في ذي القعدة.
حيار بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة، أمير عرب آل فضل بالشام، مات عن بضع وستين سنة، واستقر ولده بعده.
خضر بن عمر بن علي بن عيسى الرومي الحنفي، صلاح الدين بن شهاب الدين، من أهل البلستين، كان فاضلاً خيراً، حسن الشكل، مات بالشام، وكان يعرف بابن السمتوفي، وكان له سماع من أبي بكر بن عنتر، وكانت لديه فضيلة، وجمع كتاباً في الأحكام، وكان شيخ زاوية جده بصالحية دمشق عفا الله تعالى عنهما.
خليل بن أيدغدي، كان حاجباً بدمشق، أستاذاً في لعب الأكره، مات في المحرم.
خليل بن مودود المصري، سمع الصحيح من وزيره والحجار وحدث.
ستيتة بنت الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، أسمعها أبوها من حسن

(1/84)


بن عمر الكردي وحدثت، وهي أم بدر الدين بن أبي الفتح وأم سري الدين الملاي، ماتت في ذي القعدة.
عبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي، جمال الدين بن أبي حامد، مات هو وأخوه عبد العزيز وابن عمهم علي بن تاج الدين الثلاثة في يوم واحد خامس عشرين ذي القعدة بالطاعون، وعمتهم ستيتة قبلهم بقليل.
عبد الله بن عبد الرحمن القفصي المالكي، كان مشهوراً بالعلم منصوباً للفتوى، وكان يوقع عند الحكام، مات في ثالث شهر رمضان.
عبد الله بن عمر بن داود الكفيري، أحد الفقهاء النبهاء، مات في ربيع الآخر.
عبد الله بن محمد بن أحمد الحسيني النيسابوري، الشريف جمال الدين، كان بارعاً في الأصول والعربية، وولي تدريس الأسدية بحلب وغيرها، وأقام بدمشق مدة وبالقاهرة مدة، وولي مشيخة بعض الخوانق، وكان يتشيع، عاش سبعين سنة، وهو القائل:
هدب النفس بالعلوم لترقى ... وترى الكل وهو للكل بيت.
إنما النفس كالزجاجة والعقل سراج وحكمة الله زيت.
فإذا أشرقت فإنك حي ... وإذا أظلمت فإنك ميت.
كان أحد أئمة المعقول، حسن الشيبة.
عبد الله بن ياقوت بن عبد الله الشافعي، جمال الدين بن العنبري، اشتغل بالفقه

(1/85)


والعربية، وتقدم في الفنون، ودرس وناظر، ثم صحب ابن الغنام فولاه نظر المواريث الحشرية، ولم يكن محمود السيرة، مات في ذي القعدة رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن نصر بن المعمر بن عبد الكريم بن المعمر البكري الواسطي ثم الفاروثي، أخو عبد المحسن، ولد سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وسمع من الصفي عبد المؤمن وغيره، وتفقه للشافعي وشارك في الفنون، وله نظم حسن، أخذ عنه ابن سند، وكانت وفاته في المحرم بدمشق، وأخوه عبد المحسن مات قبله، وكان صوفياً بالشميساطية، وله سماع من ابن الخباز وابن تبع، ولهما أخوان آخران: عبد الرزاق ومحمد.
عبد الرحمن بن عبد الكريم بن محمد بن صالح بن هاشم بن العجمي، أبو طالب، سمع من قريبه أبي طالب عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن بن العجمي الرباعيات ليوسف بن خليل عنه وحدث بها، مات في صفر عن نيف وسبعين سنة.
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن هارون الثعلبي المصري، زين الدين المعروف بابن القارئ، سمع من أحمد بن إسحاق الأبرقوهي ومن ابن أبي الذكر وابن الصواف ومن والده وغيرهم وحدث وعمر، خرج له الشيخ زين الدين العراقي مشيخة وحدث بها مراراً، وكان يعمل المواعيد، وقد تفرد بسماع جزء ابن الطلاية من الأبرقوهي وهو في الخامسة، ومات في نصف ذي القعدة، وهو ممن أجاز عموماً لمن أدرك حياته خصوصاً المصريين رحمه الله تعالى. وذكر ابن دقماق أنه سمع منه البخاري ومشيخته.
عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي الخروبي، عز الدين أبو عمر، كان من أكابر التجار بمصر، ولم يعمر بعد أبيه، وهو صاحب المدرسة المليحة بالقرب من دار

(1/86)


النحاس وهي بجوار داره وهي من أحسن الدور، مات وله ستون سنة، وكان أبوه صلاح الدين من مشاهير التجار بمصر وكذا عمه بدر الدين صاحب المدرسة التي تقابل المقياس.
عبد العزيز بن بهاء الدين السبكي، تقدم ذكره مع أخيه عبد الله.
عبد المحسن هو أبو بكر، تقدم في أخيه عبد الرحمن بن الحسين.
عبد الوهاب بن أحمد بن عساف بن وهبة الجمحي الدمشقي، شاهد القيمة، سمع من التقي سليمان ويحيى بن سعد والحجار وغيرهم وحدث، وكان عابداً يحي الليل بالذكر والتلاوة، مات في صفر، وكان يسمى وهبة.
علي بن أيوب الأصبهاني، نزيل القاهرة، حدث بالكاملية عن أبي الحسن الواني، مات في ذي القعدة. وهو أحد من سمع عليه قاضي القضاة جلال الدين البلقيني مع قلة مشايخه.
علي بن عبد الوهاب بن علي السبكي، ولي خطابة الجامع الأموي بعد أبيه وله عشر سنين، وقد درس في حياة أبيه بالأمينية وعمره سبع سنين، مات كما تقدم مع ولدي عمه بهاء الدين في يوم أحد.
علي بن عثمان بن أحمد بن عمر بن أحمد بن هرماس بن نجا بن مشرف البعلي الزرعي ثم الدمشقي، المعروف بابن شمرنوخ، ولد بعد الثمانين، ولم يرزق سماع الحديث في العلو، وكانت له عناية بالعلم، وولي قضاء عدة بلاد بحلب، ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق،

(1/87)


ثم قضاء حلب مرتين أولهما سنة اثنتين وأربعين، وهو القائل رحمه الله تعالى:
أحسن إلى من أسا ما استطعت واعف إذا ... قدرت واصبر على رزء البليات.
وماء وجهك خير السلعتين فلا ... تبعه بخساً ولو باليوسفيات.
فكل ما كان مقدوراً ستبلغه ... وكل آت على رغم العدى آتي.
وكان يعرف التركي ويتكلم به، ويلقب بالقرع، وقد كان كتب له بقضاء دمشق بعد السبكي الكبير فلم يتم له ذلك، وباشر توقيع الدست ونظر الجامع، وكان حسن الحظ جداً سريع الكتابة بحيث أنه كتب صداقاً بمدة واحدة. وكان مفرط الكرم حتى أنه في الآخر افتقر جداً وانقطع ببستانه خاملاً إلى أن مات في جمادى الآخرة.
علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح بن هاشم الكناني العسقلاني الحنبلي، علاء الدين، قاضي دمشق، ولد سنة بضع عشرة، وسمع من أحمد بن علي الجزري، وأجاز له ابن الشحنة، وناب أولاً في الحكم بالقاهرة عن موفق الدين، ثم ولي قضاء دمشق بعد موت ابن قاضي الجبل في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وكان فاضلاً متواضعاً ديناً عفيفاً، وكان أعرج، كثير الانجماع حتى يقال: إنه لم يسجل عليه حكم وإنما كان نائبه يتصدى لذلك، مات في نصف شوال وقد نيف على الستين، وهو والد شيخنا جمال الدين عبد الله بن علاء الدين الجندي.
عمر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، الكناني الحموي ثم المصري، سراج الدين بن عز الدين بن بدر الدين، ولد سنة تسع عشرة، وأسمعه أبوه من الواني والحجار وابن المصري وست الفقهاء بنت الواسطي وإسحاق الآمدي وغيرهم بمصر والقدس ودمشق، وناب عن أبيه في تدريس جامع ابن طولون، ولم يكن محمود السيرة، مات عن خمس وخمسين سنة.

(1/88)


عمر بن منصور بن أبي بكر بن عبد العزيز البعلي، روى عن خاله موسى بن عبد العزيز بن جعفر، ومات في صفر ببعلبك.
محمد بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم الدمشقي، أمين الدين بن القاضي برهان الدين، الشهير بابن عبد الحق الحنفي، ويعرف بابن قاضي الحصن، كان من الأعيان، اشتغل ودرس بالعذراوية والخاتونية وولي الحسبة ونظر الجامع الأموي، مات بدمشق عن بضع وستين سنة في المحرم بالطاعون. وكان فاضلاً ممدحاً ابن نباتة وغيره.
محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد المعطي الخزرجي المكي، جمال الدين، ولد سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع الكثير من جده لأنه صفي الدين أحمد الطبري وأخيه الرضي والفخر التوزري وجماعة، وكان عارفاً بالفرائض والفقه، وحدث بالكثير من مسموعاته وتفرد ببعضها، مات في تاسع عشر شهر رجب، وكان يقال له أحياناً: ابن الصفي نسبة لجده لأمه.
محمد بن أحمد بن عبد القوي الكناني الحلبي، خادم الخانقاه الصلاحية بحلب، سمع من سنقر الزيني بحلب، وكان خاتمة من روى عنه بها.
محمد بن أحمد بن عبد الوارث البكري، ناصر الدين، أخو صاحبنا عبد الوارث، كان فاضلاً، اشتغل على جماعة، وولي إعادة تدريس الشافعي، ومات في ثاني شوال، وقد تقدم ذكر أبيه في سنة 774.
محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن جامع الدمشقي، شمس الدين بن اللبان المقرئ، ولد سنة عشر أو سنة ثلاث عشرة، وأخذ القراءات أولاً عن شهاب الدين سبط ابن السلعوس، ثم رحل فأخذ عن ابن السراج وعلي أبي العباس المرادي وعن أبي حيان

(1/89)


وغيرهم، وتصدى للإقراء وأكثر الناس عليه، وكان يحفظ كثيراً من الشواذ، وربما قرأ ببعضها في الصلاة فأنكر ذلك عليه، وقد حدث عن ابن الشحنة وعن وجيهة بنت الصعيدي الإسكندرانية وغيرهما، وكان طلب بنفسه وكتب الطباق، ومات في ربيع الآخر وقد جاوز الستين.
محمد بن أحمد بن عمر بن أبي عمر المقدسي الحنبلي، عز الدين بن عز الدين بن عز الدين الحنبلي، سمع مشيخة الكاشغري على الحجار وحدث.
محمد بن ارغون شاه، نائب الشام، كان يشتغل ويحصل الكتب، وله بذلك عناية، مات في المحرم.
محمد بن أبي بكر بن إسماعيل، محب الدين حفيد الشيخ مجد الدين له معرفة جيدة بالحساب، مات في شوال.
الزنكلوني الشافعي، تفقه بأبيه وسمع من الدبوسي وغيره، وكان متواضعاً.
محمد بن ثعلب المصري المالكي، أحد المدرسين بالقمحية بمصر، مات في رابع شوال.
محمد بن حسن بن طلحة المصري، مات في شوال.
محمد بن الحسن بن عبد الله الحسيني الواسطي، نزيل القاهرة، ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، واشتغل ببلاده، ثم قدم الشام وتميز وأفاد ودرس، وكان بارعاً في الفقه والأصول، شرح مختصر ابن الحاجب، وجمع شيئاً في الرد على التناقض للأسنوي، واختصر الحلية، وكان منجمعاً على الناس، وله تفسير كبير، وخطه مليح، من ستين سنة إلى الآن.
محمد بن حسن بن محمد بن عمار بن متوج بن جرير الحارثي الدمشقي، شمس الدين بن قاضي الزبداني، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، وتفقه على كبر على برهان الدين بن الفركاح وابن الزملكاني، وسمع من إسماعيل بن مكتوم وطبقته، وقرأ على علي بن يحيى الشاطبي، وتميز وبرع وأفتى ودرس بالشامية والعادلية والنجيبية والظاهرية والعادلية الصغرى وبالجامع بدمشق، وانتهت إليه رئاسة الفتوى بالشام، حتى قيل: إنه لم يضبط عليه خطأ في فتوى، مات في مستهل المحرم. وكان شيخه البرهان الفزاري يثن على ذكائه وعلى كتابته المحررة في الفتوى، وكان مقصوداً لقضاء حوائج الناس عند القضاة، معظماً عندهم، مقبول القول، كثير التواضع، يخضع له الشيوخ. وقد نقل عنه التاج السبكي في الطبقات في ترجمة ابن الزملكاني، ومن مروياته: مسند الشافعي سمعه على وزيرة، وكتاب البسملة لأبي شامة سمعه على علي بن

(1/90)


يحيى الشاطبي بسماعه من مصنفه، وقد طلب بنفسه وقتاً وكتب الطباق. قال العثماني قاضي صفد: انتهت إليه رئاسة العلم بالشام وغيرها، وسمي شيخ المذهب، وتفرد بإجادة الكتابة على الفتوى في زمانه، وأرخ وفاته سنة خمس فوهم.
محمد بن السقاء، الشيخ شمس الدين بن المالكي، أحد الفضلاء كان فاضلاً متواضعاً مطرحاً للتكلف، مات في المحرم.
محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي السلماني اللوشي الأصل الغرناطي الأندلسي، لسان الدين بن الخطيب، كان أبوه يخدم بني الأحمر على مخازن الطعام، وكان بارعاً فاضلاً، مات سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وولد له ابنه محمد فتأدب واختص بصحبة الحكيم يحيى بن هذيل وتعلم منه الفلسفة وبرز في الطب، ثم قال الشعر وترسل ففاق أقرانه، ومدح أبا الحجاج ملك غرناطة فرقاه إلى خدمته واستكتبه من تحت يد أبي الحسن بن الحباب، فلما مات في الطاعون العام قدمه إلى رئاسة الكتاب، وأضاف إليه الوزارة فاستقل بجميع ذلك، وجمع مالاً كثيراً، وبلغ من اختصاصه ما لم يبلغه

(1/91)


أحد، وترسل إلى أبي عنان، فلما قتل أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وقام بعده ابنه محمد أفرد ابن الخطيب بوزارته، واتخذ لكتابته غيره ثم استمد أبا عنان وبعثه رسولاً في الوقعة الكائنة بين الفرنج، فمدح أبا عنان فاهتز له وأحسن إليه، فلما تسلطن إسماعيل بن أبي الحجاج وخلع محمد بن أبي الحجاج أخاه نحى الوزير فأرسل أبو سالم بن أبي الحسن فشفع في ابن الخطيب، فأفرج عنه وقدم صحبة سلطانه محمد إلى فاس، فأقبل عليه أبو سالم وقد مدحه، فأجزل صلته، ثم سار إلى مراكش فأتحفه عمالها بما يليق به، ثم شفع له أبو سالم إلى ابن الأحمر أن يرد عليه ضياعه فشفعه فيه، فلما عاد السلطان محمد إلى ملكه لحق به ابن الخطيب فأعاده إلى مكانه فلم يزل حتى وقع بينه وبين عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة منافرة فلم يزل ذلك حتى نكب عثمان في شهر رمضان سنة أربع وسبعين ونفاه، فانفرد ابن الخطيب بتدبير المملكة، وأقبل الملك على اللهو فحسده أهل الدولة، فبلغه ذلك وأنهم سعوا به إلى السلطان ليهلكه، فسعى في الخلاص وراسل صاحب فاس المريني في اللحاق به، وخرج من غرناطة على انه يتفقد الثغور الغربية حتى حاذى جبل الفتح، فركب إلى سبتة ودخل فاس سنة ثلاث وسبعين، فبالغ المريني في إكرامه وأجرى له الرواتب، فاستقرت قدمه واستكثر من شرى الضياع والبساتين، فقام أعداؤه بالأندلس وأثبتوا عليه عند القاضي كلمات منسوبة إليه تقتضي الزندقة، فأثبت ذلك وحكم بزندقته وأرسل بها إلى صاحب فاس ليعمل بها ويقتله، فامتنع وقال: هلا فعلتم ذلك وهو عندكم! وأما أنا فلا يصل إليه أحد ما كان في جواري، فلما مات السلطان اختص ابن الخطيب بعده بالوزير أبي بكر بن غازي، فلم يزل مكرماً إلى أن تسلطن أبو العباس فأغراه به سليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر، وكان من أكبر أعدائه حتى أجابه أبو العباس إلى القبض على ابن الخطيب فسجن، فلما بلغ ذلك ابن الأحمر أرسل وزيره أبا عبد الله بن زبرك وادعى على ابن الخطيب في مجلس السلطان بالكلمات التي ثبتت عليه وأقيمت البينة، فعزر بالكلام ثم بالعقاب ثم أعيد إلى السجن، واشتوروا في قلته فأفتى بعض الفقهاء بقتله، فطرق عليه السجن ليلاً وقتل في السجن ليلاً، وأخرج من الغد ودفن، فلما كان من الغد وجد على شفير قبره مطروحاً وحوله أحطاب كثيرة، فأضرمت فيها النار فاحترق شعره واسودت بشرته، ثم أعيد إلى حفرته،

(1/92)


وكانت له من التصانيف الإحاطة بتاريخ غرناطة وروضة التعريف بالحب الشريف والغيرة على أهل الحيرة وحمل الجمهور على السنن المشهور والتاج على طريقة يتيمة الدهر والإكليل الزاهر فيما ندر عن التاج من الجواهر كالذيل عليه وعائد الصلة في التاريخ وغير ذلك، وكان قتله في سنة ست وسبعين وسبعمائة، واشتهر أنه نظم حين قدم للقتل الأبيات المشهورة التي يقول فيها:
فقل للعدى ذهب ابن الخطيب ... وفات فسبحان من لا يفوت.
فمن كان يشمت منكم به ... فقل يشمت اليوم من لا يموت.
والصحيح في ذلك ما ذكره صديقه شيخنا ولي الدين ابن خلدون أنه نظم الأبيات المذكورة وهو في السجن لما كان يستشعره من الفتك به، وذكر الشيخ محمد العصباني أن ابن الأحمر وجهت رسولاً إلى ملك الفرنج في رسالة، فلما أراد الرجوع أخرج له رسالة من ابن الخطيب بخطه تشتمل على نظم ونثر، قال: فلما قراتها قال لي: مثل هذا كان ينبغي أن يقتل! ثم بكى حتى بل ثيابه. من محاسن نظمه قوله:
طال حزني لنشاط ذاهب ... كنت أسقى زمناً من حانه.
وشباب كان يندى خده ... نزل الثلج على ريحانه.
محمد بن عبد الله بن عبد الباقي بن عبد الأحد الحلبي الصوفي، أبو الفضل، سمع من سنقر الزيني مشيخته وحدث، مات في شعبان وله ست وسبعون سنة.

(1/93)


محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المصري الحنفي، شمس الدين بن تاج الدين، مدرس الأطباء بجامع ابن طولون، وكان فاضلاً، له نظم، مات في ثامن عشر شوال.
محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر الإخميني، كان صالحاً معتقداً، مات في رابع شوال.
محمد بن عبد الله بن علي بن عبد القادر، تقي الدين بن الأطرباني المصري، ولد سنة إحدى وسبعمائة تقريباً وأسمع من الشريف الموسوي واب عبد الحميد ووزيرة والحجار وغيرهم، وأجاز له الدمياطي وغيره، وكان يوقع في الإنشاء، مات في صفر.
محمد بن عبد الله بن علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، القاضي صدر الدين بن القاضي جمال الدين بن القاضي علاء الدين التركماني، تفقه واشتغل ومهر في العلم، وناب في الحكم، ولازم الشيخ أكمل الدين، ثم استقل به بعد موت السراج الهندي إلى أن مات في ذي القعدة ولم تكمل أربعون سنة، وكان مهيباً وشكلاً بهياً، وله نظم.
محمد بن عبد الله الهاروني، الفقيه أبو جابر المالكي، مشهور بكنيته، كان ماهراً في مذهبه، كثير المخالفة لأقرانه في الفتوى، كثير الاستحضار على هوج فيه. ومات معه في السنة ولده شرف الدين محمد، وكان فاضلاً أيضاً.

(1/94)


محمد بن عبد الله الصفوي الهندي ثم الدمشقي، كان رومي الأصل، أسمعه مولاه صفي الدين الهندي الحديث، وحفظ التنبيه في صغره، وألبسه الخرقة وكان يلبسها عن مولاه، وتفرد برواية جزء البيتوتة على أبي الفضل بن عساكر حضوراً عليه، وأجاز له القواس والعز أحمد الحسيني وعائشة بنت المجد وجماعة، وكان حسن الشيبة، يعرف شد المناكيب ويجودها، وكان يضرب بصنعته المثل، أخذ ذلك عن زين الدين عبد الرحيم البغدادي، أثنى عليه البرزالي وأرخه سنة تسع عشرة وله ثمان وسبعون سنة.
محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الزمردي الشيخ، شمس الدين بن الصائغ الحنفي النحوي، ولد سنة ثمان وسبعمائة أو بعدها بقليل وسمع من الحجار والدبوسي وغيرهما، واشتغل في عدة فنون، ولازم أبا حيان، ومهر في العربية وغيرها، ودرس بجامع ابن طولون للحنفية، وولي قضاء العسكر في سنة ثلاث وسبعين، وكان فاضلاً بارعاً، حسن النظم والنثر، كثير الاستحضار، قوي البادرة، دمث الأخلاق، وهو القائل:
لا تفخرن بما أوتيت من نعم ... على سواك وخف من كسر جبار.
فأنت في الأصل بالفخار مشتبه ... ما أسرع الكسر في الدنيا لفخار.
ومن تصانيفه: شرح الألفية رأيته بخطه في مجلدين، وشرح المشارق وقفت عليه بخطه في ست مجلدات وله فيه مباحث لطيفة، والتذكرة النحوية، والمباني في المعاني، والمنهج القويم في القرآن العظيم، والثمر الجني في الأدب السني، والغمز على الكنز، والاستدراك على المغني لابن هشام استفتحه بقوله الحمد لله الذي لا مغني سواه، أخبرني ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم الحنفي إذناً وكتبته من خطه قال أخبرني شمس الدين بن الصائغ أنه شاهد بمصر بجامع عمرو أكثر من خمسين متصدراً يقرأ عليهم الناس العلوم. قلت: وأدركت أنا في الجامع نحو هذا العدد لكنهم لا يحضرون أصلاً بل

(1/95)


يأخذون المعلوم من وقف الجامع، ثم قطعوا في آخر دولة الأشرف ثم أعيد بعضهم في دولة الظاهر، وذكرت بما قال ابن الصائغ ما قرأت بخط الفارقي التاجر الزبيدي: أنه كان بمصر في أول دولة الناصر من التجار الكارمية أكثر من مائتي نفس وعد من عبيدهم الذين كانوا يسافرون لهم في التجارة بالسفرات الكبار أكثر من مائة وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال.
تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال.
قال: وما أحسن قول ابن أبي حجلة:
تفرد الخال عن شعر بوجنته ... فليس في الخد غير الخال والخفر.
يا حسن ذاك محيا ليس فيه سوى ... خال من المسك في خال من الشعر.
قلت: وبين المقطوعين كما بين الثريا والثرى، مات في شعبان.
محمد بن عبد الرحيم بن يحيى، أبو البركات، كمال الدين السبكي، سمع من يحيى بن المصري وأحمد بن علي الجزري وغيرهما، واشتغل بالحديث، وقرر مدرساً فيه بالشيخونية بعناية الشيخ بهاء الدين وهو ابن عمته، وقد جمع جزاء فيما وافق فيه عمر بن الخطاب ربه أجاده، واختصر الزهر الباسم لمغلطاي، وولي إفتاء دار العدل، وكان ساكناً منجمعاً على الناس، مات في شوال.
محمد بن علي بن أحمد بن محاسن الدمشقي المؤذن، سمع من عبد الرحيم بن أبي اليسر وغيره من جامع الترمذي، وكان من القراء بالألحان، مات في المحرم.
محمد بن علي بن عبد الله اليمني، شمس الدين، أبو القاسم، أقام بمصر ملازماً لعز الدين بن جماعة، وكان فاضلاً، مات في المحرم. وكان ولي مشيخة

(1/96)


الإقراء، بالشيخونية، ووقع بينه وبين الأكمل فنزح إلى الشام فأكرمه تاج الدين السبكي ونزله ببعض الخوانق، ثم ترك ذلك زهداً، ومات مطعوناً. قال ابن حجى: كان فاضلاً مفتياً يستحضر أشياء من غريب الحديث وأسماء الرجال وفقه الشافعية من كتاب البيان، وكان يرويه بإسناد له، وكان يخضب بالحناء، وصنف كتاباً. قلت: وقفت له على عدة تصانيف لطاف دالة على اتساعه في العلم.
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر السعدي، فتح الدين بن علاء الدين بن فتح الدين بن محيي الدين، نائب موقع الدست، سمع من زينب بنت شاكر والحجار وغيرهما وحدث، مات وله سبع وستون.
محمد بن عيسى بن عبد الكريم بن عساكر بن سعد بن أحمد بن محمد بن سليم بن مكتوم القيسي الدمشقي العطار، بدر الدين بن مكتوم، أحد الفضلاء الشافعية، ولد سنة سبعمائة، وسمع من الشيخ برهان الدين بن الفركاح وصحب الشيخ حماد الزاهد، ومات هو وأخوه أحمد في هذه السنة، ومات هذا في المحرم. وكان مولد أحمد سنة عشر وسبعمائة.
وكان يشهد بالرواحية، وورث من أخيه مالاً فقضى به ديناً كان له عليه، ثم مات هو أيضاً.
محمد بن قليج بن كيكلدي العلائي، ابن أخي الحافظ صلاح الدين، ولد سنة خمس عشرة وسبعمائة، سمع بعناية عمه من القاسم بن عساكر وأبي نصر بن الشيرازي وغيرهما، وله إجازة من حسن الكردي ويونس الدبوسي وغيرهما، وكان فاضلاً ديناً خيراً، مات في شعبان مطعوناً ببيت المقدس، وكان يعاني المباشرات مع جودة وانجماع.

(1/97)


محمد بن محمد بن أحمد بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر، سعد الدين بن صلاح الدين بن تقي الدين، مات مطعوناً في المحرم وكان قد سمع وحدث، وعاش أبوه بعده خمس سنين.
محمد بن محمد بن عبد الله، شرف الدين بن أبي جابر المالكي، تقدم مع أبيه.
محمد بن محمد بن محمد بن عبد القوي المصري، المؤدب، ناصر الدين الكناني، ولد سنة اثنتين وتسعين وستمائة أو ثلاث، وسمع من وزيرة والحجار وهو كبير وحدث، ومات في خامس عشرين رمضان.
محمد بن محمد بن محمد بن يوسف، بدر الدين بن العلاف، سمع من الواني وغيره، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة وحدث، مات وقد قارب التسعين، ولو سمع صغيراً لكان مسند مصره في عصره.
محمد بن محمد بن محمد بن الكيناني، ناصر الدين، رئيس المؤذنين بالمنصورية، مات في خامس عشرين رمضان بالقاهرة.
محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب، كمال الدين، أبو الفضل بن الشحنة، والد العلامة محب الدين أبي الوليد، كان فاضلاً بارعاً، يدرس في مذهب الحنفية، ومات بحلب في ربيع الأول.
محمد بن أبي محمد التبريزي الشافعي، قدم من بلاد العجم وأخذ عن القطب التحتاني وبرع في المعقول، وقرر له منكلي بغا بالقاهرة معلوماً على تدريس بالمرستان

(1/98)


المنصوري، ثم قرره في تدريس الفقه بالمنصورية، ثم عزله الجاي، ثم ولي درس جامع المارداني وأعاد تدريس الشافعي وشغل الناس كثيراً وانتفعوا به، مات في مستهل ذي الحجة.
محمد بن أبي محمد بن البقال المعبر الدمشقي، انتهت إليه الرياسة في فنه، مات في شوال.
محمد بن أبي محمد البقاعي المالكي، قاضي طرابلس، وهو أول من ولي قضاء المالكية بها بطريق الاستقلال.
محمد بن أبي محمد، تاج الدين بن تقي الدين بن الهمام، إمام جامع الصالح بالقاهرة. ذكره شيخنا ابن الفرات في تاريخه وقال: كان حسن الوجه، ظاهر النعمة، كريم الشمائل، موقراً عند الكبار. غرق في النيل وهو يريد الروضة في ربيع الأول.
محمد بن محمود بن إسحاق بن أحمد الحلبي ثم المقدسي، أبو موسى، المحدث الفاضل، سمع من ابن الخباز وابن الحموي ونحوهما ولازم صلاح الدين العلائي وأبا محمود وتخرج بهما، وقدم دمشق فلازم ابن رافع، وبرع في هذا الشأن، وجمع تاريخ بيت المقدس، وكان حنفياً فتحول شافعياً بعناية القاضي تاج الدين السبكي. ورأيت بخطه وفيات مختصرة إلى قرب سنة موته، مات في شهر رمضان رحمه الله تعالى.
محمد بن مسلم بن حسين بن مسلم بن عبد الله البالسي ثم المصري، ناصر الدين، أحد كبار التجار، اعجوبة عصره في كثرة المال حتى كان يقال: إنه لا يعلم قدر ماله. وذكر سبطه شهاب الدين بن يسير أن ما له حزر فجاء عشرة آلاف ألف دينار. ويقال: إنه خاصم بدر الدين الخروبي فقال له ابن مسلم: اشتر بمالك كله شكائر وأحضرها أملأها لك مالاً.
ويقال: إنه ما مات له عبد في الغربة، كانوا يدورون في التجارات ولا يتفق موت الواحد منهم إلا بمصر حتى أن واحداً منهم غاب عشرين سنة وعاد فمات عنده. وكان موصوفاً بالإمساك

(1/99)


جداً لكن يقال: إنه كان يتصدق سراً. وكان لا يحبس أحداً ولا يوكل به، وأوصى بعمارة مدرسة بستة عشر ألف دينار فعمرت بمصر هي مشهورة وورثت أولاده أمواله بعده، فأما علي وهو الأكبر فأفسدها ما وصل إليه في أسرع مدة وصار فقيراً مدقعاً وربما استعطى في آخر عمره بالورق، وأما ابنه أحمد وكان سماه باسم ولد له آخر كان أكبر أولاده، وكان أنجب فيه، فمات في حياته بقوص في المحرم سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ومات ناصر الدين وابنه أحمد الثاني صغير. فرباه خادمه كافور إلى أن كبر وتسلم ماله، فتواردت عليه أيدي الظلمة وسوء التدبير مع شدة إمساكه حتى آل أمره بعد الثلاثين إلى أن صار في عداد المساكين لولا أن لهم بقوص أرضاً تغل في بعض السنين شيئاً، وكانت وفاة ناصر الدين في شوال في ليلة الجمعة ثاني عشره. ومن وجوه البر التي فعلها: المطهرة الكبيرة جوار جامع عمرو بن العاص، وقد حصل الانتفاع بها جداً، وكان جده وأبوه وعمه محمد من التجار حتى كان يقال لعمه شمس الدين: نصف الدنيا، وجده لأمه شمس الدين محمد بن يسير البالسي كان أيضاً من كبار التجار المشهورين، وأعقب ذرية لم ينجب منهم، إلا القليل، وكانت وفاته في المحرم سنة ثمان وستين رحمهم الله أجمعين.
ماجد بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر القبطي المصري، فخر الدين، كان صاحب ديوان يلبغا، ثم ولي الوزارة في دولة الأشرف ونظر الخاص، ومات في هذه السنة وأبوه حي.
مثقال بن عبد الله الحبشي سابق الدين صاحب المدرسة السابقية بين القصرين، كان محباً في أهل العلم والخير، وهو مقدم المماليك عند الأشرف.
منجك بن عبد الله التركي، تنقل في الولايات بالبلاد، وولي الوزارة بالقاهرة،

(1/100)


واستقر في الآخر نائب السلطنة بمصر وإليه أمور المملكة، وقد عمر خانات نافعة وجوامع وأصلح الجسور والطرقات، مات في تاسع عشرين ذي الحجة وقد جاوز الستين. ومن أحكامه مع ما كان يعني من تعمير المدارس والخوانق والخانات والقناطر أمره بكسر أواني الخمر ومنع عملها، ومنع النساء من الركوب بين الرجال والخروج إلى واضع النزه والخروج في الليل، وتضييق الأكمام، ومنع تعليق الأجراس بأعناق الحمير، وألزم كل من يدخل الحمام بالتستر بالميازر وغيرها.
نصر الله بن أبي بكر بن نصر الله المقرئ، ناصر الدين، تصدر للإقراء بدمشق، وأخذ عنه تاج الدين السبكي، ولم يكن إسناده عالياً إلا أنه كان يرغب فيه لجودة معرفته، مات في جمادى الأولى.
وهبة في عبد الوهاب.
يوسف بن عبد الله الطبيب، صلاح الدين بن المغربي، رئيس الأطباء بالقاهرة، مات في جمادى الآخرة، وهو صاحب الجامع الذي يقابل الخليج الحاكمي بالقرب من باب الخوخة بالقاهرة.
يوسف بن علي بن محمد الدمشقي، جمال الدين بن المهتار، ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، واحضر على التقي سليمان ونحوه، وسمع من الحجار وطبقته، وأجاز له الدشتي وغيره، وكان إمام مسجد إلياس، مات في جمادى الآخرة ولحيته سوداء إلا أنه يقال: إنه لم يتزوج.

(1/101)


يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم الحنبلي جمال الدين السرمري العقيلي الحنبلي، نزيل دمشق، ولد سنة ست وتسعين وستمائة بسر من رأى. وسمع ببغداد من الصفي عبد المؤمن وابن الدقوقي، وبدمشق من أصحاب ابن عبد الدائم وغيرهم، وأخذ الفقه عن سراج الدين حسين بن يوسف بن أبي السري التستري ثم انتقل إلى بغداد سنة تسع وعشرين، وأجاز له ابن الشحنة وابن الدواليبي وغيرهما، وبرع في العربية والفرائض، ونظم وخرج وحدث، واقعد بأخرة، وجاز الثمانين، وله من التصانيف: عقد اللآلي في الأمالي، وغيث السحابة في فضل الصحابة، ونشر القلب الميت بفضل أهل البيت، وعجائب الاتفاق وغرائب ما وقع في الآفاق، والأربعين الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، والثمانيات، وغير ذلك، وقد أخذ عنه ابن رافع مع تقدمه وذكره في معجمه وحدث عنه ومات قبله، وذكره الذهبي في المعجم المختص فقال: قدم علينا سنة ست وأربعين، وقرأ علي، وله معرفة بالمذهب ونظم جيد في علوم الحديث وغيرها انتهى. وكان مشاركاً في العربية والفرائض، ويقال: إن مصنفاته بلغت مائة وإنها في نيف وعشرين علماً.
يوسف بن يحيى بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي، جمال الدين بن أبي البركات عز الدين بن أبي الطاهر شمس الدين ابن شيخ الإسلام عز الدين، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة وسمع على ابن مشرف جزء أبي موسى المديني، وأجاز له ابن الموازيني وابن القيم من مصر، وكان يباشر في الأوقاف، وعلى ذهنه حكايات ونوادر، مات في جمادى الأولى وله ثمان وثمانون سنة، ولو أسمع على قدر سنه لأدرك الإسناد العالي.
يوسف الحاضري الحنفي، نائب الحسبة، مات في شوال.

(1/102)


سنة سبع وسبعين وسبعمائة
فيها في المحرم طهر السلطان أولاده وعمل لهم مهماً عظيماً أنفق فيه من الأموال ما لا يحصى. وظهرت فيه من الفواحش والقبائح ما لا مزيد عليه، واستمر ذلك سبعة أيام.
وفي العشرين من المحرم استقر نجم الدين بن الكشك في قضاء الحنفية بالقاهرة نقلاً من دمشق، واستقر عوضه ابن عمه صدر الدين على دمشق، ثم استغنى نجم الدين بعد مائة يوم ونقل إلى دمشق، ونقل ابن عمه إلى القاهرة، واستقر صدر الدين بن منصور في قضاء العسكر، ثم عزل صدر الدين بن الكشك في رمضان واستقر ابن منصور في قضاء الحنفية بالقاهرة.
وفي صفر ابتدئ في عمارة المدرسة الأشرفية تحت قلعة الجبل، وهدم من جوارها

(1/103)


عدة أماكن للناس، منها بيت كبير لسنقر الجمالي، ونقل إليها عمودان عظيمان وجدا في بيت خوند الحجازية عمة السلطان برحبة العيد، وكان المشد عليها اينبك.
وفي آخر ربيع الأول عزل ابن الأزكشي من المشورة، وأعيد التاج الملكي إلى الوزارة، فقبض على ابن الغنام وأراد هدم داره جزاء بما عامله، فبادر ابن الغنام وصير داره مدرسة في ليلة واحدة، فاستمرت ولم يجسر الملكي على التعرض لها، ثم قبض عليه في ذي القعدة، واستقر شمس المقسي مشيراً بغير وزير واستقر أمين الدولة خبيص مستوفي الدولة.
وفيها استقر آقتمر الحنبلي في نيابة السلطنة بالقاهرة بعد منجك.
وفيها وقع الغلاء العظيم بدمشق فبلغت الغرارة خمسمائة بعد أن كانت في الرخص بخمسين، واستمرت الشدة حتى أكلوا الميتات، وعمل فيه ابن حبيب: استمر غول الغلاء كاشراً عن أنياب النوائب، ناشراً حبائل مصائد المصائب، وزاد إلى أن نقصت الأقوات، وتزايد فيه أمواج الأموات.
واستمر إلى آخر السنة فتناقص السعر

(1/104)


ووقع الغلاء بالقاهرة في اللحم خاصة حتى بيع كل رطل بدرهم ونصف.
وكان الغلاء أيضاً في حلب حتى بيع المكوك بثلاثمائة، ثم زاد إلى أن بلغ الألف حتى أكلوا الميتة والقطاط والكلاب، وباع كثير من المقلين أولادهم، وافتقر خلق كثير، ويقال: إن بعضهم أكل بعضاً حتى أكل بعضهم ولده، ثم عقب بعد ذلك الوباء ففني خلق كثير حتى كان يدفن العشرة والعشرون في قبر بغير غسل ولا صلاة، ويقال: إنه دام بتلك البلاد الشامية ثلاث سنين، لكن أشده كان في الأولى.
وفيها استقر ولي الدين بن أبي البقاء في قضاء الشام والخطابة عوض أبيه، وكان أبو هـ قد سعى أن يكون مستقلاً بذلك في مرض موته فأجيب. ووافاه التوقيع بعد موت أبيه، فولي شمس الدين بن مزهر وكالة بيت المال عوضاً عنه، وذلك في جمادى الأولى.
وفيها وقع حريق كثير بدمشق.
وفيها استقر بدر الدين الأخنائي في قضاء المالكية في رجب.
وفيها وقع الضعف الشديد بالقاهرة بالباردة والنافض.
وفيها توجه إلى الحجاز في رجب جمع كثير، فمات منهم الكثير بالضعف.
وفيها تسلم السلطان سنجار وأحضر صاحبها إلى القاهرة، واستناب السلطان بها حيدر بن يونس المعروف بابن العسكري.

(1/105)


وفيها وصلت هدايا صاحب اصطنبول من الروم، وفي جملة الهدية صندوق فيه شخوص لها حركات كلما مضت ساعة من الليل ضربت تلك الشخوص بأنواع الملاهي، وكلما مضت درجة سقطت بندقة.
وفي شعبان اتفقت كائنة عجيبة بدمشق. وهو أن بعض الشرفاء كان ببرزة فوقع بينه وبين خطيب الجامع مخاصمة، فتوجه الشريف إلى الحاجب واستدعى على الخطيب بأنه سبه وأخذ معه جندارية، فتوجه لإحضاره وأخذوا الخطيب وشددوا عليه وساروا به والشريف يستطيل عليه، فاتفق الخطيب، وكان في ذلك عبرة عظيمة.
وفيها ولي المجد إسماعيل الحنفي قضاء العسكر، وناصر الدين الطوسي توقيع الدست.
وفيها استقر بدر الدين بن مزهر في كتابة السر بدمشق عوضاً عن أحمد بن فضل الله بحكم وفاته.
وفيها انتقل سري الدين بن المسلاتي عن مذهب مالك واستقر شافعياً، وناب في الحكم عن ابن جماعة، واستمر على ذلك.
وفي آخر هذه السنة نهب الحاج المصري في رجوعهم، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
لقد نهب الحجاج في عام سبعة ... وسبعين جهراً بعد ذبح تمكنا.
وصار أمير الركب بورى هارباً ... ولولا قليل كان بورى مكفنا.
وجرى للحاج الشامي أشد مما جرى للمصري فإنهم جاءهم سيل بخليص تلف منهم

(1/106)


بسببه شيء كثير، وفي الرجعة هبت عليهم ريح عاصف، ثم اشتد عليهم الغلاء في الطريق حتى بيعت الغرارة الشعير بمائة درهم.
وفيها استولى الأمير صرماً التركماني على الموصل وكان صاحبها بيرم حجا قد وقع بينه وبين التركماني ببروان فكسروه، فلما بلغه استيلائ بيرما على الموصل استنجد بالصالح صاحب الحصن والمظفر صاحب ماردين فأنجداه بعسكرين فحاصر الموصل، وانسلخت السنة وهم على ذلك.
وفيها عثر على رجلين رافقا تاجراً فأطعماه شيئاً فرقد وأخذا ما معه، فعرفا.
وفيها كانت بين أبي زيان بزاي وتحتانية مثقلة، وهو محمد بن السعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن، وبين أبي حمو بفتح المهملة وتشديد الميم، وهو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بتلمسان حروب شديدة قتل فيها عبد الله بن صغير أمير كبير دولة أبي حمو، وكانا يتنازعان المملكة، وأول ما ملكها أبو حمو سنة ستين وسبعمائة.
وفيها استقر تمراز في نيابة القدس، وهو أول من ولي نيابتها، وكانت قبل ذلك يكون فيها وال من جهة والي الولاية دمشق.
وفيها وقف ناصر الدين بن براق داره مدرسة بدمشق، وتقرر فيها شمس الدين الحبتي إماماً.
وفيها غلا البيض بدمشق فبيعت الحبة الواحدة بثلاثة دراهم يكون من حساب ستين بدينار

(1/107)


اللهم ارخص أسعار المسلمين.

ذكر من مات
في سنة سبع وسبعين وسبعمائة من الاعيان.
إبراهيم بن حمزة السبكي، سمع من أصحاب النجيب، وطلب بنفسه، ودرس بالجاولية، يأتي ذكره مع أبيه، مات بمكة.
إبراهيم بن بهاء الدين عبد الله الحلي، برهان الدين، كان شكلاً حسناً عاقلاً فاضلاً، ولي نظر الجيش بدمشق والمارستان وبيت المال بالقاهرة.
إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأخنائي، برهان الدين بن علم الدين، كان شافعي المذهب كأبيه وحفظ التنبيه ثم تحول مالكياً كعمه، وقد أسمع على الحجار وغيره، وولي الحسبة ونظر الخزانة، وناب في الحكم، ثم ولي القضاء استقلالاً سنة ثلاث وثلاثين واستمر إلى أن مات، وكان مهيباً صارماً قوالاً بالحق قائماً بنصر الشرع رادعاً للمفسدين، وقد صنف مختصراً في الأحكام، مات في رجب.
أحمد بن ازدمر الجمالي، أحد أمراء طرابلس، كان ذا كرم ومروءة، وهو ابن أخي العلائ، أسمعه عم أبيه صلاح الدين العلائي على فاطمة بنت العز مشيخة أبي مسهر، ومات في ذي القعدة.
أحمد بن سنقر، كان أحد الفضلاء، وله نظم، مات في صفر.
أحمد بن عبد الله المرسي يأتي في مسعود.

(1/108)


أحمد بن عبد القادر بن عمر بن أبي القاسم السلاوي، سمع عمه الشيخ محمد بن عمرو البرزالي وغيرهما، وكان شكلاً حسناً، مات في شوال.
أحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن أبي الحسن البعلبكي الحنبلي الصوفي المسند، سمع صحيح مسلم من زينب كندى، وسمع من اليونيني والتاج عبد الخالق، وأجاز له أبو الفضل بن عساكر وابن القواس، وحدث بالكثير، وارتحلوا إليه، واستدعاه القاضي تاج الدين السبكي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة إلى دمشق فقرؤوا عليه الصحيح، قال ابن حجى: كان حسناً خيراً، خرجت له جزأ، ومات في رجب وقد جاوز الثمانين.
أحمد بن علي بن محمد بن يسير البالسي، التاجر الكارمي، شهاب الدين، أحد التجار المصريين، وكان جده من كبارهم، ونشأ هذا في رئاسة لكنه لم يكن بذلك الحازم، ومات في ذي الحجة كهلاً، وخلف ولده مرضعاً وهو أبو القاسم على الذي سيأتي ذكره في سنة تسع وتسعين.
أحمد بن علي بن يحيى بن فضل الله، شهاب الدين بن علاء الدين العدوي المصري ثم الدمشقي، ولد بعد سنة أربعين، ونشأ في حجر السعادة إلى أن ولي كتابة السر بدمشق، فمات بها في شهر المحرم، فكانت مدة مباشرته دون السنة.
أحمد بن لؤلؤ الحاكمي الشاعر، مات في ربيع الأول.
أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس بن الخضر بن علي، جمال الدين بن عز الدين الرهاوي الدمشقي، تفقه على ابن الفركاح، وأخذ عن الأصبهاني وابن نصحان،

(1/109)


وسمع من ابن الشحنة، وعني بالعلم حتى فضل، ودرس وأفتى، وناب في الحكم، وتعانى المباشرات والحساب، وكان سريع الإدراك حسن المناظرة، قال ابن حجى: كان الشيخ تقي الدين السبكي يثنى على فهمه وكتب هو من تصانيف السبكي شيئاً كثيراً قراها عليه وقد سمع من الحجار وغيره، ولما ولي البلقيني وازره وتصدى لمخاصمة تاج الدين السبكي فأدى ذلك إلى انحراف كثير من الناس عنه وتحاملوا عليه وكبسوا بيته وأخرجوا منه خمراً قيل إنه كان لبعض غلمانه: فآل أمره إلى الخمول حتى مات في ربيع الأول عن سبع وسبعين سنة.
أحمد بن محمد بن محمد الشبشيري ثم البعلي، كان تعانى الحديث بالعراق، وسمع منه الشيخ نصر الله بن أحمد الحنبلي وأجاز لولده القاضي محب الدين مات في المحرم.
أحمد بن محمد بن أبي المجد بن أبي الوفاء بن المرجاني الهمداني سمع الصحيح من الحجار، وكانت بينه وبين القيراطي مكاتبات أدبية، مات مقتولاً في جمادى الأولى عن ثلاث وستين.
أحمد بن أبي محمد، شهاب الدين بن الشامية.
لأحمد بن يوسف بن فرج الله بن عبد الرحيم، شهاب الدين الشار مساحي، تفقه على الشيخ جمال الدين الأسنوي وغيره برع في الفقه والأصول وولي قضاء المحلة ومنفلوط وغيرهما، وكان موصوفاً بالفضل والعقل.
أحمد المرجاني، كان أحد اللطفاء مقصوداً من الأكابر بالعشرة لظرفه وكان حسن

(1/110)


الحظ،
كتب الصحاح بخطه ثم اغتيل في داره في جمادى الأولى ووضع في صندوق وأخذ ماله فاتهم به جماعة ممن يعاشره فاحتيط بهم منهم جمال الدين بن خطيب داريا، ثم ظهر قاتلوه في رمضان وبرئ المتهم.
ارغون المحمدي الأنوكي، والي قلعة الجبل، وكان قد ولي خزندار السلطان.
إسرائيل دوادار بيدمر النائب بدمشق، مات في جمادى الأولى، وكان مشكور السيرة.
اسنبغا بن بكتمر الأمير سيف الدين البوبكري، ولي نيابة حلب، وبنى بالقاهرة مدرسة معروفة واستقر في أيام السلطان أمير آخور ثم حاجب الحجاب، ومات وهو أمير الميسرة في المحرم ويقال إنه أقام مدة لم يشرب ماء، وكان يذكر أن له خمساً وأربعين سنة ما جامع شيئاً ولد سنة ثلاث عشرة.
بهادر، نائب بعلبك، مات في ربيع الأول.
جركتمر بن عبد الله المنجكي أحد أكابر الأمراء بالقاهرة، ثم تنقلت به الأحوال كان منجك تبناه، ثم صار من اكابر الأمراء في أيام اسندمر، ثم ولي نيابة قلعة الروم، ثم نيابة الإسكندرية، ومات في رجب.
حسن بن الرفاعي، شيخ الطائفة الرفاعية بدمشق، مات في جمادى الآخرة.
حسن بن الحناني، شاهد القيمة، كان عارفاً بالحساب في المساحة فرداً في ذلك، مات بدمشق في صفر.

(1/111)


الحسين بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، شرف الدين، رحل وجمع وأفاد وخرج الفهرست والمشيخة، ومن مشايخه أبو طالب العجمي ووالده وسنقر الزيني وغيرهم. وذكره الذهبي في المعجم المختص فقال: شاب متيقظ، سمع وخرج وكتب عني الكاشف، اعتنى به أبوه بحلب، وسمع بنفسه من بنت صصرى وابن أبي التائب، وكان مولده في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وأخذ عن والده وعبد الرحمن وإبراهيم ابني صالح وغيرهم.
قلت: وأخذ عنه ابن عشائر ووصفه بالفضل وحسن المحاضرة، وكان يوقع على الحكام، مات بحلب في ذي الحجة.
حسين الهيتي المقيم بمسجد إسحاق، كان صالحاً معمراً، يقال: جاوز التسعين، وكان قال لهم في مرض موته: إن وجدتم معي أزيد من عشرة دراهم فلا تصلوا علي، فلم يجدوا معه سوى عشرة، وبيعت ثيابه بعشرين درهماً فقسم ورثته ميراثه ثلاثين درهماً عشرة عشرة، وكانوا ثلاثة أخوة.
حمزة بن علي بن محمد بن أبي بكر بن عمر بن عبد الله، أبو يعلى السبكي المالكي، سمع من الدبوسي والواني والطبقة، وطلب وكتب ودرس وناب في الحكم، ووقع في الدست وفي الأحباس، وله إلمام بالحديث، وكان يدعى أنه شريف فأخبرني الشيخ زين الدين العراقي أن الشيخ تقي الدين السبكي أنكر ذلك عليه، مات راجعاً من الحج ودفن برابغ عن نحو من ثمانين سنة لأن مولده سنة ثمان وتسعين وستمائة، وكان ابنه إبراهيم صحبته فمات بمكة وكان لطيف الذات حسن المعاشرة فحزن أبوه عليه، وتضعف واستمر إلى أن مات.

(1/112)


حمزة، شاد الدواوين بدمشق، مات تحت العقوبة في جمادى الآخرة.
خليل بن أرغون الكاملي، ولد النائب، مات في رجب.
ذو النون بن أحمد بن يوسف السرماري، نزيل عينتاب، يعرف بالفقيه، أخذ عن مشايخ أذربيجان وديار بكر وغيرهم، وقدم عينتاب في حدود الستين فأقام بها يشتغل الطلبة، وشرح مقدمة أبي الليث وقصيدة البستي، وتصدر بجامع النجار بجوار ميدان عينتاب، وكان قائماً بالأمر بالمعروف شديداً في ذلك إلى أن مات في رمضان، نقلت ترجمته من تاريخ العيني.
زاده الشيخ، يأتي في الميم.
سنقر الجمالي مولى ابن الشريشي، له رواية، مات في ذي الحجة بدمشق.
صالح بن أحمد بن عبد الله، علم الدين الأسنوي، اشتغل قليلاً، ووقع في الحكم وناب في الحكم وتقدم عند السلطان إلى أن صار نافذ الكلمة عند كل أحد، وحصل له من الوظائف ما لا مزيد عليه حتى يقال: إن معاليمه في الشهر كانت خمسمائة دينار، فكان مع ذلك في غاية الجهل حتى قيل فيه:
معيد لو كتبت له حرفاً ... وقلت أعد على تلك الحروف.
لقصر في إعادته عليها ... فكيف يعيد في العلم الشريف.
طيبغا الشيخوني، كان أحد أمراء الطبلخانات.
عبد الله بن علي بن عبد الملك بن عبد الله بن أبي حامد بن العجمي ولد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من أبي طالب بن العجمي وغيره وحدث، عاش ثمانين سنة.

(1/113)


عبد الله بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن أبي عبد الله بن فارس ابن أبي عبد الله بن يحيى بن إبراهيم بن سعد بن طلحة بن موسى بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان العسقلاني ثم المكي، بهاء الدين بن رضي الدين، نزيل الجامع الحاكمي بالقاهرة، ولد في آخر سنة أربع وتسعين وستمائة وطلب العلم صغيراً بمكة فسمع من الصفي والرضي الطبريين والتوزري وغيرهم، وارتحل إلى دمشق فأخذ عن القاضي سليمان وأبي بكر الدشتي وعيسى المطعم وغيرهم بدمشق، وسمع على بيبرس العديمي وعلى علي بن القيم وطبقته بمصر، وتفقه على علاء الدين القونوي وتاج الدين التبريزي وشمس الدين الأصبهاني، وأخذ عن أبي حيان وغيرهم ثم دخل دمشق وأخذ عن ابن الفركاح وغيره، ثم رجع إلى مصر فاستوطنها، وكان قد حفظ المحرر، ومهر في الفقه والعربية واللغة والحديث، وقد بالغ الذهبي في الثناء عليه في كتابه بيان زغل العلم، وفي غيره قال: وكان شيئاً عجيباً في الزهد والانجماع وقول الحق، وقال في المعجم الكبير: المحدث القدوة، وقال: هو لون عجيب في الورع والدين والانقباض وحسن السمت، وهو جيد الفقه قوي المذاكرة كثير العلم، وقال في المعجم المختص: هو الإمام القدوة الرباني، قرأ بالروايات، واتقن الحديث وعني به ورحل فيه، متين الديانة ثخين الورع، كبير القدر مؤثراً للانقطاع، ثم قرأ المنطق وحصل جامكية، ثم ترك ذلك وانقطع مرابطاً بزاوية ظاهر الإسكندرية. وقال الشيخ شهاب الدين بن النقيب: بمكة رجلان صالحان: احدهما يؤثر الخمول وهو ابن خليل، والآخر يؤثر الظهور وهو اليافعي، وكان ابن خليل ربما عرضت له جذبة فيقول فيها أشياء. وكان قد ولي مشيخة الخانقاه الكريمية بالقرافة ثم

(1/114)


تركه واشتغل بالعبادة وانقطع في خلوة بسطح جامع الحاكم، وقد تصدى للإسماع في أواخر زامنه، ومع ذلك فلم يحدث بجميع مسموعاته لكثرتها، وكان يرد على كبار المحدثين حال قراءتهم عليه ما يقضون العجب من استحضاره مع طول بعد العهد، وقد اشتهر عند المصريين ب الشيخ عبد الله اليمني، وكان ينكر على من ينسبه لذلك، وعند المحدثين بن ابن خليل، وقد ذكر بعض أصحابه أنه أعطاه دراهم، قال: فاشتريت بها ورقا فما كتبت في شيء منه في حاجة إلا قضيت، وكان يحب سماع غناء العرب الذي كان يقال له قديماً النصب، وأضر بأخرة. قرأت بخط القاضي تقي الدين الزبيري وأجازنيه: كان محدثاً فاضلاً فقيهاً نظاراً بحاثاً ذا قدم راسخ في العلم، تهرع إليه الملوك فمن دونهم، وعنده نفرة من الناس، ودفن بتربة تاج الدين بن عطاء بالقرافة، وأرخه سنة خمس وسبعين غلطاً، فإنه مات في جمادى الأولى من هذه السنة، وشهد جنازته من لا يحصون كثرة رحمه الله تعالى ونفع ببركته.
عبد الرحمن بن سعادة بن إبراهيم الحسباني، يعرف بعبيد، كان أحد الفقهاء بالشام، تفقه بالقدس على تقي الدين إسماعيل القلقشندي، وصار يستحضر كثيراً، ومات في رمضان.
عبد العزيز بن عبد الله، الواعظ الرومي القيسري، قدم دمشق وولي مشيخة الشميساطية فلم يتمكن من مباشرتها لضعفه، ومات في رجب، وكان ماهراً في العربية.
عجلان بن رميثة بن أبي سعد بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن عبد الله بن موسى بن الحسن بن علي الحسني، عز الدين، أمير مكة، وليها شريكاً لأخيه ثقبة سنة أربع وأربعين عوضاً عن أبيها، ثم استولى عجلان على حلى سنة ثلاث وستين، وكان ذا عقل وسياسة، واقتنى من العقار والعبيد شيئاً كثيراً، وكان يحترم أهل السنة مع اعتقاده في الزيدية، وفي أيامه عوض عن المكس الذي كان يأخذه من المأكولات بمكة بألف إردب قمح يحمل إليه من مصر.

(1/115)


علي بن إبراهيم بن محمد بن الهمام بن محمد بن إبراهيم بن حسان الأنصاري الدمشقي، علاء الدين بن الشاطر، ويعرف أيضاً بالمطعم الفلكي، كان أوحد زمانه في ذلك، وكان أبوه مات وله ست سنين فكلفه جده وأسلمه لزوج خالته وابن عم أبيه علي بن إبراهيم بن الشاطر فعلمه تطعيم العاج، وتعلم علم الهيئة والحساب والهندسة، ورحل بسبب ذلك لمصر والإسكندرية سنة تسع عشرة، وكان لا يتكثر بفضائله ولا يتصدى للتعليم ولا يفخر بعلومه، وله ثروة ومباشرات ودار من أحسن الدور وضعاً وأغربها، وله الزيج المشهور والأوضاع الغريبة المشهورة وله أوضاع غريبة مشهورة التي منها البسيط الموضوع ف منارة العروس بجامع دمشق.
علي بن غريب البرجمي، أحد المشايخ المعتقدين، وكان بزي الجند، وكان كثير التعصب لابن تيمية وأتباعه، مات في ربيع الآخر.
علي بن محمد بن عقيل البالسي، نو رالدين ابن الشيخ نجم الدين، كان فاضلاً عارفاً بالفقه كثير العبادة والتأله ساذجاً من أمور الدنيا، درس بالطيبرسية وغيرها، ولما نشأ ابنه الشيخ نجم الدين وتقدم في خدم الأمراء كان لا يأكل من بيت ابنه شيئاً تورعاً، مات في ربيع الآخر.
علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر العسقلاني ثم المصري الكناني، ولد في حدود العشرين وسبعمائة، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وغيره، واشتغل بالفقه والعربية، ومهر في الآداب، وقال الشعر فأجاد، ووقع في الحكم، وناب قليلاً عن ابن عقيل ثم ترك لجفاءنا له من ابن جماعة لما عاد بعد صرف ابن عقيل من أجل تحققه بصحبة ابن عقيل وأقبل على شأنه، وأكثر الحج والمجاورة، وله عدة دواوين، منها ديوان الحرم مدائح نبوية ومكية في مجلدة، وكان موصوفاً بالعقل والمعرفة والديانة والأمانة ومكارم الأخلاق ومحبة الصالحين والمبالغة في تعظيمهم، ومن محفوظاته الحاوي، وله استدراك على الأذكار للنووي فيه مباحث حسنة، وكان ابن عقيل يحبه ويعظمه، ورأيت خطه له بالثناء البالغ، ولما قدم الشيخ جمال الدين بن نباتة أخيراً أنزله عنده ببيت من أملاكه في جواره وطارحه ومدحه

(1/116)


بما هو مشهور في ديوانه، ثم انحرف عليه وانتقل إلى القاهرة كعادته مع أصحابه في سرعة تقلبه عفا الله تعالى عنه. وهو القائل ومن خطه نقلته:
يا رب أعضاء السجود عتقتها ... من عبدك الجاني وأنت الواقي.
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى ... فامنن على الفاني بعتق الباقي.
قرأت بخط ابن القطان وأجازنيه: كان يحفظ الحاوي الصغير وينظم الشعر وكان مجازاً بالفتوى وبالقراءات السبع، حافظاً لكتاب الله تعالى معتقداً في الصالحين وأهل الخير جعله الله تعالى منهم، وكان أوصى أن يكفن في ثياب الشيخ يحيى الصنافيري، قال: ففعلنا به ذلك، مات يوم الأربعاء ثالث عشرين شهر رجب.
قلت: وتركني لم أكمل أربع سنين وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه وأحفظ منه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل رحمة الله تعالى.
عمر بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن الحلبي، كمال الدين بن العجمي الشافعي، ولد سنة أربع وسبعمائة، وسمع من أحمد بن إدريس ابن مزيز وأبي بكر بن العجمي والحجاز والمزي وغيرهم، وعني بهذا الشأن، وكتب الأجزاء والطباق، ورحل إلى مصر والإسكندرية، وسمع بدمشق من أعيان محدثيها الحجار ومن كان هناك وبمصر وغيرها، ودرس وأفتى، وانتهت إليه رئاسة الفتوى بحلب مع الشهاب الأذرعيأ مات في ربيع الأول. ومن مسموعاته من ابن مزيز جزء البيتوتة ومن أبي بكر بن العجمي جزء بكر بن بكار. ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال: قدم علينا طالب حديث وله فهم ومشاركة وفضائل انتهى. وأثنى عليه ابن حبيب

(1/117)


رحمه الله تعالى.
عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد المؤمن الحلبي بن أمين الدولة، اشتغل بالحديث والأدب، ووقع في الإنشاء ببلده، ثم ترك وأقبل على العبادة، عاش سبعاً وستين سنة.
عمر بن أحمد بن عمر بن مسلم بن عمر بن أبي بكر العوفي الصالحي، زين الدين المؤذن الكتاني الحجار ولد سنة تسعين وستمائة، وسمع من ابن مشرف والتقى سليمان وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم ومحمد بن سعد وغيرهم وحدث، مات في المحرم.
غازي بن قطلوبغا التركي، شرف الدين المكتب، جود الخط على شمس الدين بن أبي رقيبة، محتسب مصر، ثم نبغ في زمانه وخالفه في طريقته واخترع طريقة مولدة من طريقة ابن العفيف وابن خطيب بعلبك ومهر فيها، وكتب الناس احتساباً بالمدرسة الظاهرية البيبرس بين القصرين إلى أن مات في شهر رجب، وعاش شيخه بعده سنتين.
قرمان، كاشف الوجه البحري، كان أمير طبلخاناة بمصر.
كلثم بنت محمد بن محمود بن معبد البعلية، روت عن الحجار، وعنها ابن بردس وغيره، ماتت في صفر.
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عرام بن إبراهيم بن ياسين بن أبي القاسم بن محمد بن إسماعيل بن علي الربعي الإسكندراني، سمع من الرشيد بن المعلم والشريف موسى بن أبي طالب والحسن بن عمر الكردي وتاج الدين بن دقيق العيد وعبد الرحمن بن مخلوف وخلق كثير، وعني بهذا الفن وكتب العالي والنازل، وخرج لبعض مشايخه، وكان كثير التخيل من الناس. وذكر لي الشيخ زين الدين العراقي عنه أنه كان يقول ما معناه: إذا سمعت الحديث من شيخ وأجازنيه شيخ آخر سمعه من شيخ والأول عنه بالإجازة فشيخ السماع يروي عن شيخه بالإجازة وشيخ الإجازة يرويه عن ذلك الشيخ بعينه بالسماع كان ذلك في حكم السماع على السماع. وخرج له الكمال الأدفوي مشيخة وحدث بها ومات قبله.

(1/118)


محمد بن أحمد بن صفي بن قاسم بن عبد الرحمن، أبو عبد الله الغزولي المصري، ولد سنة سبع أو ثمان وتسعين وستمائة، سمع من علي بن القيم وحسن سبط زيادة وأحمد بن العماد أبي بكر المقدسي وزينب الإسعردية وحدث، وكان حسن الحظ، مات في أوائل السنة، وكان يؤم بالبيبرسية بالقاهرة، وله أخ اسمه محمد أصغر منه بثمان سنين، سمع من الحجار، قرأ عليه بعض الطلبة القطعة المسموعة من مستخرج الإسماعيلي بسماعه من علي بن عيسى بن القيم، والسماع إنما هو لأخيه المذكور ولكن كاتب الطبقة ما قال فيها الكبير ولا الصغير فلعلها لما قرئت لم يكن الثاني ولد رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان، شمس الدين بن خطيب يبرود، ولد في سنة سبعمائة أو في التي بعدها، واشتغل بالعلم وعني بالفقه والأصول والعربية. ودرس وأفتى، أخذ عن البرهان بن الفركاح وابن الزملكاني وابن قاضي شهبة والشمس الأصبهاني والنجم القجقاري وابن جهبل، وولي التدريس بأماكن كبار كالشامية الكبرى بدمشق ومدرسة الشافعية بالقرافة لأنه دخل القاهرة سنة مات ابن اللبان، فولى تدريس الشافعية بعده ثم نزل عنه لبهاء الدين أبي حامد بن السبكي وتعوض منه الشامية البرانية، وكان استقر فيها بعد موت أخيه حسين بن السبكي. قال ابن حجى: كان من أحسن الناس إلقاء للدروس، ينقب ويحرر ويحقق، وكان الغالب عليه الأصول، مناظراً بحاثاً، وكانت له تنديرات على طريقة شيخه القحفازي. وقال العثماني: كان يضرب بتواضعه المثل، وكان من أئمة المسلمين في كل فن، مجمع على

(1/119)


جلالته، وكان مسدداً في فتاويه. وولي قضاء المدينة، وحدث بالإجازة عن التقى سليمان وعن الحجاز وغيرهما، وكان يذكر أنه سمع الصحيح من الحجار، وحدث عن ابن جهبل بمسند الشافعي، وناب عن الجلال القزويني في المنصب، مات في شوال.
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين، أبو المعالي ابن الشيخ شهاب الدين العسجدي، سمع على عبد القادر بن الملوك وغيره بعناية أبيه وحدث، مات في رجب.
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح البعلي، كان مولهاً، مات في شعبان رحمة الله تعالى.
محمد بن أحمد القرشي، ناصر الدين، الموقع، تنقلت به الأحوال إلى أن ولي توقيع الدست ثم نظر الخزانة والأحباس، وكان أحد وجوه القاهريين، مات في شعبان رحمة الله تعالى.
محمد بن أبي بكر بن ناصر القرشي العبدري الشيبي الحجي، جمال الدين، خازن الكعبة، كان ذا حشمة ومروءة، ولي الحجابة نحو الثلاثين سنة من سنة تسع وأربعين إلى أن مات إلا أنه صرف عنها لغيبته بمصر في سنة سبع وخمسن ثم أعيد.
محمد بن سلام الإسكندراني، التاجر المشهور، سكن القاهرة ورأس بها، وهو والد صاحبنا ناصر الدين، مات في رجب.
محمد بن شرف بن عادي بن عبد الله، الشيخ شمس الدين الكلائي الفرضي، كان فاضلاً متقشفاً على طريقة السلف، اشتغل الناس عليه في الفرائض والحساب واشتهر بمعرفتها وصنف فيها التصانيف الفائقة، وكان يقرئ العربية أيضاً. ويقال: إن الناصر أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض فقال له بعض الأكابر ويقال هو البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عن ذلك فاتفق وقوع قضية مشكلة في الفرائض

(1/120)


سئل عنها السبكي فلم يجب فيها فأرسلوا إلى الكلائي فقال: إذا كان الفرائض باباً من أبواب الفقه فما له لا يجيب؟ فشق هذا الجواب على بهاء الدين وندم على ما قال. وقد قرره أبو غالب القبطي في مدرسته التي على الخليج، ثم مات بالمدرسة القطبية في شهر رجب.
محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد السلام الكازروني ثم المكي، جمال الدين، ولد في سنة ثمان وسبعمائة، وقدم مكة فاستقر مؤذن المسجد الحرام، وسمع من الرضي الطبري، وكان عارفاً بالميقات ونظم فيه، مات في شوال رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام، بهاء الدين، أبو البقاء السبكي، ولد سنة ثمان وسبعمائة وفي معجم ابن رافع: سنة سبع وسبعمائة، وتفقه على القطب السنباطي والمجد الزنكلوني وعلاء الدين القونوي والزين الكتناني، وأخذ عن أبي حيان ولازمه والجلال القزويني، وسمع من وزيرة والحجار والواني والخنتي وغيرهم وحدث عنهم، وانتقل إلى دمشق سنة تسع وثلاثين، ولي قريبه تقي الدين القضاء وناب عنه في الحكم بدمشق ثم ولي استقلالاً بعد صرف ابنه تاج الدين السبكي مدة شهر واحد وذلك سنة تسع وخمسين، ثم ولي قضاء طرابلس، ثم رجع إلى القاهرة وولي قضاء العسكر ووكالة بيت المال في سنة خمس وستين، ثم ولي قضاءها في سنة ست وستين بعد عز الدين بن جماعة بعد أن كان ينوب عنه وذلك في جمادى الآخرة، ثم ولي قضاء دمشق، ومات بها في ربيع الآخر.

(1/121)


وكان الشيخ جمال الدين الأسنوي يقدمه ويفضله على أهل عصره، وكان الشيخ عماد الدين الحسباني يشهد أنه يحفظ الروضة، وكان الشيخ بدر الدين الطبندي يحكي عنه أنه كان يقول: أعرف عشرين علماً لم يسألني عنها بالقاهرة أحد، ومع سعة علمه لم يصنف شيئاً. قال ابن حبيب: شيخ الإسلام وبهاؤه، ومصباح أفق الحق وضياؤه، وشمس الشريعة وبدرها، وحبر العلوم وبحرها، كان إماماً في المذهب، طرازاً لردائه المذهب، رأساً لذوي الرئاسة والرتب، حجة في التفسير واللغة والنحو والأدب، قدوة في الأصول والفروع، رحلة لأرباب السجود والركوع، مشهوراً في البلاد والأمصار، سالكاً طريق من سلف من سلفه الأنصار، درس وأفاد، وهدى بفتاويه إلى سبيل الرشاد، وباشر القضاء بمصر والشام.
قلت: وكان له شعر وسط، أنشدني الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد البر إجازة قال أنشدنا أبي لنفسه:
قبلته ولثمت باسم ثغره ... مع خده وضممت مائس قده.
ثم انتبهت ومقلتي تبكي دماً ... يا رب لا تجعله آخر عهده.
وذكره الذهبي في المعجم المختص وقال: إمام متبحر مناظر بصير بالعلم، يحكم العربية مع الدين والتصون انتهى. وخرج له أبو الحسين بن أبيك جزءاً من حديثه حدث به ومات قبله بدهر، وكتب عنه ابن رافع في معجمه من نظمه. وقرأت بخط بن القطان وأجازنيه: كان إماماً في العلوم عارفاً بالجدل يؤدي دروسه بتؤدة ولطافة وللفقه من فيه حلاوة وطلاوة، وهو أنظر من رأينا غير أنه كان إذا ظهر المنقول بخلافه أو اتجه عليه البحث تظهر الكراهية في وجهه، وكان يغض من كثير من العلماء لا سيما أهل العصر، قال: وذكر لي الشيخ بهاء الدين بن عقيل أنه كان معيداً عنده في درس القلعة قبل أن يتوجه إلى الشام، وكانت ولايته طرابلس بسعي تاج الدين عند السلطان حسن في إخراجه من الشام، ثم سعى في أيام يلبغا فأذن له في دخول

(1/122)


القاهرة، قال: وكان بخيلاً بالوظائف على مستحقيها كثير التخصيص بها لأولاده ومن يختص به، وكان يجيز من يعرض عليه كتاباً في الفقه، ولما عزل من قضاء القاهرة وسعى في قضاء الشام بعد أن كان السلطان الأشرف أمر بإخراجه فاستقر بها، ثم في هذه السنة سعى أشد السعي حتى استقر ولده ولي الدين في قضاء الشام في حياته، وعاش بعد ذلك قليلاً ومات. قلت: وقال ابن حجى: كان إماماً نظاراً جامعاً لعلوم شتى، وقد كتب قطعة من مختصر المطلب، وقطعة من شرح الحاوي، وقطعة من شرح المختصر، وكانت ولايته القضاء أخيراً بالشام سنتين، وأضيفت إليه الخطابة قبل موته بشهر واحد ثم مرض مائة يوم ومات في ربيع الأول.
محمد بن عبد القادر بن الحافظ أبي الحسين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني ثم الدمشقي الحنبلي، ولد سنة أربع عشرة، وسمع من أبيه وعمه القطب موسى وغيرهما، واشتغل بالفقه وبرع في الفتيا، وأم بمسجد الحنابلة، وأنشأ بالقرب منه مدرسة للجنابلة ودرس بها، ووقف عليها أوقافاً، وكان لين الجانب وجيهاً متعبداً، وانقطع بأخرة، وكان لا يخرج إلا لشهود الجماعة، وحدث، مات في ذي القعدة عن ثلاث وستين سنة، وهو والد المعين القاضي.
محمد بن عبد الملك، المؤذن الواعظ، المعروف بابن الخطيب، كان له صيت كبير في فنه، مات في رجب.
محمد بن عبيد النابلسي، شمس الدين، قاضي حمص، وكان منشأوه بدمشق، واشتغل ودرس ببعض مدارسها، فلما تولى قضاء حمص نيابة عن القاضي تاج الدين السبكي أخذت وظائفه، ثم جمع مالاً فأخذه مملوك له وهرب، وكان كثير التقتير فعاد يشهد بحلب وبحمص ثم فقد في هذه السنة، ويقال: مات في شهر رمضان.

(1/123)


محمد بن علي بن أبي سالم الحلبي، بدر الدين، الموقع، ولد سنة تسع عشرة، وسمع على العز إبراهيم بن صالح وحدث، وكان موقع الدست والدرج، مات في شهر رمضان.
محمد بن عمر بن الحسن بن حبيب، كمال الدين، ولد سنة اثنتين وسبعمائة وكتب بخطه سنة ثلاث، وأحضر على سنقر الزيني، وسمع من بيبرس العديمي وجماعة، وخرج له أخوة الحسين مشيخة، وحدث بالكثير ببلده وبمكة، وكان خيراً، مات في جمادى الآخرة بالقاهرة.
وكان رحل بولده يسمعه فأسمعه بدمشق من ابن أميلة وغيره ثم توجه إلى مصر فأدركه أجاه بها، وكان عنده عن سنقر عدة كتب منها السنن لابن الصباح. أنا الموفق عبد اللطيف بسنده سمعه منه محدث حلب في عصرنا الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي.
محمد بن قيران الحسامي، كان أمير طبلخاناة بمصر.
محمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن صورة المصري، صلاح الدين بن قطب الدين، تفقه بالتاج التبريزي والشمس الأصبهاني وبهاء الدين بن عقيل، وناب عنه في الحكم بجامع الصالح، سمع الحديث من عبد الله بن هلال والمزي وغيرهما، وكان من أعيان الشافعية.
محمد بن محمد بن عبد الوهاب الحسني، الشريف عماد الدين، مات بمكة في سلخ رمضان.
محمد بن محمد بن علي بن إبراهيم القيصري الأصل الدمشقي، علاء الدين بن شمس الدين، كان أبوه شيخ الخاتونية وهو شيخ الربوة، ويشهد تحت الساعات، سمع قطعة من مسلم على السلاوي وغيره، ومات في أواخر ربيع الآخر.
محمد بن محمد بن محمد الإسكندراني المالكي، كمال الدين ابن التنيسي، ولد سنة ثمان وثلاثين، وسمع من ابن الصفي والوادي آشى وغيرهما، وولي قضاء بلده.
محمد بن محمد بن محمود بن سلمان بن فهد الحلبي ثم المصري، تقي الدين بن

(1/124)


شمس الدين بن الشهاب محمود، موقع الدست بالقاهرة. وقد تقدم ذكر أخيه بدر الدين في سنة أربع وسبعين.
محمد بن أبي محمد الحنبلي، أخو عبد الجليل، قدم القاهرة ودرس بمدرسة السلطان حسن واشتهر بالفضل، ثم أضر بأخرة، ومات في شعبان.
مسعود بن عبد الله المريسي الأسود قيل اسمه أحمد، وكان مجذوباً وللناس فيه اعتقاد زائد، وكان يأكل في رمضان ويبدو منه أمور يتكلم بها فيقع كل ما يقول ويكاشف كثيراً، قرات بخط ابن دقماق أنه كان يغيب أحياناً ويحضر أحياناً، قال: واتفقت لي معه ماجريات ولم ازل في بركته كذا قال.
منجك الناصري، أحد أكابر الأمراء تقدم ذكره في الحوادث، وأول ما ولي إمرة حلب عقب طاز سنة تسع وخمسين، ثم تنقل في الولايات وولي الوزارة وغيرها وله أوقاف كثيرة على وجوه البر وجاوز الستين.
المؤيد بن حمويه، أبو المفاخر علاء الدين الجويني، المعروف بالشيخ زاده شيخ الشميساطية، قال ابن حجى: كان شيخاً حسناً سليم الصدر وكانت المشيخة بيد أسلافه دهراً طويلاً، فخرجت عنهم في سنة إحدى وسبعمائة للبدر بن جماعة ثم تداولها القضاة وكتاب السر إلى سنة إحدى وسبعين فانتزعها هذا إلى أن مات في جمادى الآخرة.
ياقوت مقدم المماليك الأشرفية، كان يلقب افتخار الدين.
يوسف بن فرج بن عبد الرحيم، جمال الدين الشارمساحي، قاضي دمياط، تفقه بالكمال السنباطي وأفتى ودرس، ومات بدمياط.

(1/125)


أبو غالب القبطي كان يباشر في دواوين الأمراء، ثم أسلم وحج وبنى مدرسة على شاطئ الخليج، وولي نظر الذخيرة، ومات في شوال.
خوند بنت منكلي بغا زوج الأشرف.

(1/126)