تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك وصلة تاريخ الطبري

ذكر خبر دخول اصحاب قائد الزنج رامهرمز
وفيها دخل أصحاب قائد الزنج رامهرمز.
ذكر الخبر عن سبب مصيرهم إليها:
قد ذكرنا قبل ما كان من أمر محمد بن عبيد الله الكردي وعلي بن أبان صاحب الخبيث، حين تلاقيا على صلح منهما، فذكر أن عليا كان قد احتجن على محمد ضغنا في نفسه، لما كان في سفره ذلك، وكان يرصده بشر، وقد عرف ذلك منه محمد بن عبيد الله، وكان يروم النجاة منه، فكاتب ابن الخبيث المعروف بأنكلاي، وسأله مسألة الخبيث ضم ناحيته إليه لتزول يد علي منه، وهاداه، فزاد ذلك علي بن أبان عليه غيظا وحنقا، فكتب إلى الخبيث يعرفه به، ويصحح عنده أنه مصر على غدره، ويستأذنه في الإيقاع به، وأن يجعل الذريعة إلى ذلك مسألته حمل خراج ناحيته إليه، فأذن له الخبيث في ذلك، فكتب علي إلى محمد بن عبيد الله في حمل المال، فلواه به، ودافعه عنه، فاستعد له علي، وسار إليه، فأوقع برامهرمز، ومحمد بن عبيد الله يومئذ مقيم بها، فلم يكن لمحمد منه امتناع، فهرب ودخل علي رامهرمز، فاستباحها، ولحق محمد بن عبيد الله بأقصى معاقله من أربق والبيلم، وانصرف على غانما، وراع ما كان من ذلك من على محمدا، فكتب يطلب المسألة، فأنهى ذلك علي إلى الخبيث، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك، وإرهاق محمد بحمل المال، فحمل محمد بن عبيد الله مائتي ألف درهم، فأنفذها علي إلى الخبيث، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وعن اعماله.

ذكر الخبر عن وقعه اكراد داربان مع صاحب الزنج
وفيها كانت وقعة لأكراد الداربان مع زنج الخبيث، هزموا فيها وفلوا.

(9/554)


ذكر الخبر عن سبب ذلك:
ذكر عن محمد بن عبيد الله بن أزارمرد أنه كتب إلى علي بن أبان بعد حمله إليه المال الذي ذكرنا مبلغه قبل، وكف علي عنه وعن أعماله، يسأله المعونة على جماعة من الأكراد كانوا بموضع يقال له الداربان، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم فكتب علي إلى الخبيث يسأله الإذن له في النهوض لذلك، فكتب إليه أن وجه الخليل بن أبان وبهبوذ بن عبد الوهاب، وأقم أنت، ولا تنفذ جيشك حتى تتوثق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون في يدك منه، تأمن بها من غدره فقد وترته، وهو غير مأمون على الطلب بثأره.
فكاتب علي محمد بن عبيد الله بما أمره به الخبيث، وسأله الرهائن، فأعطاه محمد ابن عبد الله الأيمان والعهود، ودافعه على الرهائن فدعا عليا الحرص على الغنائم التي أطمعه فيها محمد بن عبيد الله إلى أن أنفذ الجيش، فساروا ومعهم رجال محمد بن عبيد الله، حتى وافوا الموضع الذي قصدوا له، فخرج إليهم أهله، ونشبت الحرب، فظهر الزنج في ابتداء الأمر على الأكراد، ثم صدقهم الأكراد، وخذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله، فتصدعوا وانهزموا مفلولين مقهورين، وقد كان محمد بن عبيد الله أعد لهم قوما أمرهم بمعارضتهم إذا انهزموا، فعارضوهم وأوقعوا بهم، ونالوا منهم أسلابا، وأرجلوا طائفة منهم عن دوابهم فأخذوها، فرجعوا بأسوأ حال، فكتب المهلبي إلى الخبيث بما نال أصحابه فكتب إليه يعنفه، ويقول: قد كنت تقدمت إليك إلا تركن الى محمد ابن عبيد الله، وأن تجعل الوثيقة بينك وبينه الرهائن، فتركت أمري، واتبعت هواك، فذاك الذي أرداك وأردى جيشك.
وكتب الخبيث إلى محمد بن عبيد الله، أنه لم يخف علي تدبيرك على جيش علي بن أبان، ولن تعدم الجزاء على ما كان منك.
فارتاع محمد بن عبيد الله مما ورد به عليه كتاب الخبيث، وكتب إليه بالتضرع والخضوع، ووجه بما كان أصحابه أصابوا من خيل اصحاب على

(9/555)


حيث عورضوا وهم منهزمون، فقال: إني صرت بجميع من معي إلى هؤلاء القوم الذين أوقعوا بالخليل وبهبوذ، فتوعدتهم وأخفتهم، حتى ارتجعت هذه الخيل منهم، ووجهت بها فأظهر الخبيث غضبا، وكتب إليه يتهدده بجيش كثيف يرميه به، فأعاد محمد الكتاب بالتضرع والاستكانة، فأرسل إلى بهبوذ، فضمن له مالا، وضمن لمحمد بن يحيى الكرماني مثل ذلك، ومحمد بن يحيى يومئذ الغالب على علي بن أبان، والمصرف له برأيه، فصار بهبوذ إلى علي بن أبان، وظاهره محمد بن يحيى الكرماني على أمره حتى أصلحا رأي علي في محمد بن عبيد الله وسلاما في قلبه من الغيظ والحنق عليه، ثم مضيا إلى الخبيث ووافق ذلك ورود كتاب محمد بن عبيد الله عليه، فصوبا وصعدا حتى اظهر لهما الخبيث قبول قولهما، والرجوع لمحمد بن عبيد الله إلى ما أحب، وقال: لست قابلا منه بعد هذا إلا أن يخطب لي على منابر أعماله.
فانصرف بهبوذ والكرماني بما فارقهما عليه الخبيث، وكتبا به إلى محمد ابن عبيد الله، فأصدر جوابه إلى كل ما أراده الخبيث، وجعل يراوغ عن الدعاء له على المنابر وأقام علي بعد هذا مدة، ثم استعد لمتوث، وسار إليها، فرامها فلم يطقها لحصانتها وكثرة من يدافع عنها من أهلها، فرجع خائبا، فاتخذ سلاليم وآلات ليرقى بها السور، وجمع أصحابه واستعد.
وقد كان مسرور البلخي عرف قصد علي متوث، وهو يومئذ مقيم بكور الأهواز.
فلما عاود المسير إليها، سار إليه مسرور، فوافاه قبيل غروب الشمس، وهو مقيم عليها، فلما عاين أصحاب علي أوائل خيل مسرور، انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا جميع آلاتهم التي كانوا حملوها، وقتل منهم جمع كثير، وانصرف علي بن أبان مدحورا، ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى تتابعت الأخبار بإقبال أبي أحمد، ثم لم يكن لعلي بعد رجوعه من متوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على أبي أحمد، فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحفزه فيه حفزا شديدا بالمصير إلى عسكره.
وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى الكوفى.

(9/556)


ثم دخلت

سنة سبع وستين ومائتين

ذكر الخبر عما كَانَ فِيهَا من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبد الله وعدة من أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبد الله الخجستاني عمرو بن الليث وتهمة عمرو بن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخجستاني والحسين بن طاهر، ودعا الحسين والخجستاني لمحمد بن طاهر على منابر خراسان.

ذكر خبر غلبه ابى العباس بن الموفق على سليمان بن جامع
وفيها غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى كور دجلة كعبدسى ونحوها.
ذكر الخبر عن سبب غلبة أبي العباس على ذلك، وما كان من أمره وأمر الزنج في تلك الناحية: ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن الزنج لما دخلوا واسطا وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبل، واتصل الخبر بذلك إلى أبي أحمد بن المتوكل ندب ابنه أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزنج، فخف لذلك أبو العباس فلما حضر خروج أبي العباس ركب أبو أحمد إلى بستان موسى الهادي في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين، فعرض أصحاب أبي العباس، ووقف على عدتهم، فكان جميع الفرسان والرجالة عشرة آلاف رجل في أحسن زي وأجمل هيئة وأكمل عدة، ومعهم الشذا والسميريات والمعامر للرجالة، كل ذلك قد أحكمت صنعته فنهض أبو العباس من بستان الهادي وركب أبو أحمد مشيعا له حتى نزل الفرك، ثم انصرف.
وأقام أبو العباس بالفرك أياما، حتى تكاملت عدده، وتلاحق أصحابه،

(9/557)


ثم رحل إلى المدائن، وأقام بها أيضا، ثم رحل إلى دير العاقول.
قال محمد بن حماد: فحدثني أخي إسحاق بن حماد وابراهيم بن محمد ابن إسماعيل الهاشمي المعروف ببريه، ومحمد بن شعيب الاشتيام، في جماعة كثيرة ممن صحب أبا العباس في سفره- دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ- قَالُوا: لما نزل أبو العباس دير العاقول، ورد عليه كتاب نصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذا والسميريات، وقد كان أمضاه على مقدمته، يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافى في خيل ورجالة وشذوات وسميريات، والجبائي يقدمه، حتى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا، وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى نهر أبان برجالة وفرسان وسميريات، فرحل أبو العباس حتى وافى جرجرايا، ثم فم الصلح، ثم ركب الظهر، فسار حتى وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف الخبر، فأتاه منهم من أخبره بموافاة القوم وجمعهم وجيشهم، وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفل واسط فلما عرف ذلك عدل عن سنن الطريق، واعترض في مسيره، ولقي أصحابه أوائل القوم، فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغتروا، فأمعنوا في اتباعهم، وجعلوا يقولون لهم:
اطلبوا أميرا للحرب، فإن أميركم قد شغل نفسه بالصيد فلما قربوا من أبي العباس بالصلح، خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل، وأمر فصيح بنصير: إلى أين تتأخر عن هؤلاء الأكلب! ارجع إليهم، فرجع نصير إليهم.
وركب أبو العباس سميرية، ومعه محمد بن شعيب الاشتيام، وحف بهم أصحابه من جميع جهاتهم، فانهزموا، ومنح الله أبا العباس وأصحابه أكتافهم، يقتلونهم ويطردونهم، حتى وافوا قرية عبد الله، وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم فيه، وأخذوا منهم خمس شذوات وعدة سميريات، واستأمن منهم قوم، وأسر منهم أسرى، وغرق ما أدرك من سفنهم، فكان ذلك أول الفتح على العباس بن ابى احمد

(9/558)


ولما انقضت الحرب في هذا اليوم، أشار على أبي العباس قواده وأولياؤه، أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه من الصلح، إشفاقا عليه من مقاربة القوم، فأبى إلا نزول واسط.
ولما انهزم سليمان بن جامع ومن معه، وضرب الله وجوههم، انهزم سليمان بن موسى الشعراني عن نهر أبان، حتى وافى سوق الخميس، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير، وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم، فقالوا: هذا فتى حدث، لم تطل ممارسته الحروب وتدربه بها، فالرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجتهد في أول لقية نلقاه في إزالته، فلعل ذلك أن يروعه، فيكون سببا لانصرافه عنا ففعلوا ذلك، وحشدوا واجتهدوا، فأوقع الله بهم بأسه ونقمته وركب أبو العباس من غد يوم الوقعه، حتى دخل واسطا في أحسن زي، وكان يوم جمعة، فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة، واستأمن إليه خلق كثير، ثم انحدر إلى العمر- وهو على فرسخ من واسط- فقدم فيه عسكره، وقال: اجعل معسكري أسفل واسط، ليأمن من فوقه الزنج وقد كان نصير المعروف بأبي حمزة والشاه بن ميكال أشارا عليه أن يجعل مقامه فوق واسط فامتنع من ذلك، وقال لهما: لست نازلا إلا العمر، فانزلا أنتما في فوهة بردودا وأعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه واستماع شيء من آرائهم، فنزل العمر، وأخذ في بناء الشذوات، جعل يراوح القوم القتال ويغاديهم، وقد رتب خاصة غلمانه في سميريات فجعل في كل سميرية اثنين منهم ثم أن سليمان استعد وحشد وجمع وفرق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه: فرقة أتت من نهر أبان، وفرقة من برتمرتا، وفرقة من بردودا، فلقيهم أبو العباس، فلم يلبثوا أن انهزموا، فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة بمازروان، وأخذ قوم منهم في برتمرتا وآخرون أخذوا الماديان، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان، فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر برمساور، ثم انصرف، فجعل يقف على القرى والمسالك، ومعه الأدلاء، حتى وافى عسكره، فأقام به مريحا نفسه وأصحابه ثم أتاه مخبر فأخبره ان

(9/559)


الزنج قد جمعوا واستعدوا لكبس عسكره، وأنهم على إتيان عسكره من ثلاثة أوجه، وأنهم قالوا: أنه حدث غر يغر بنفسه، وأجمع رأيهم على تكمين الكمناء والمصير إليه من الجهات الثلاث التي ذكرنا، فحذر لذلك، واستعد له، وأقبلوا إليه وقد كمنوا زهاء عشرة آلاف في برتمرتا ونحوا من هذه العدة في قس هثا وقدموا عشرين سميرية إلى العسكر ليغتر بها أهله، ويجيزوا المواضع التي فيها كمناؤهم، فمنع أبو العباس الناس من اتباعهم، فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ، خرج الجبائي وسليمان في الشذوات والسميريات، وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه، فأمر نصيرا المعروف بأبي حمزة أن يبرز للقوم في شذواته، ونزل أبو العباس عن فرس كان ركبه، ودعا بشذاة من شذواته قد كان سماها الغزال، وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافين لهذه الشذاة، وركبها، واختار من خاصة أصحابه وغلمانه جماعة دفع إليهم الرماح، وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه على شاطئ النهر، وقال لهم:
لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار، وأمر بتعبير بعض الدواب التي كانت ببردودا، ونشبت الحرب بين الفريقين، فكانت معركة القتال من حد قرية الرمل إلى الرصافة، فكانت الهزيمة على الزنج، وحاز أصحاب أبي العباس أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبائي في ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجلين، وأخذت دوابهما بحلاها وآلتها، ومضى الجيش أجمع لا ينثني أحد منهم حتى وافوا طهيثا، وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة، ورجع أبو العباس، وأقام بمعسكره في العمر، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذا والسميريات وترتيب الرجال فيها، وأقام الزنج بعد ذلك عشرين يوما، لا يظهر منهم أحد وكان الجبائي يجيء في الطلائع في كل ثلاثة أيام وينصرف، وحفر آبارا فوق نهر سنداد، وصير فيها سفافيد حديد، وغشاها بالبواري، وأخفى مواضعها، وجعلها على سنن مسير الخيل ليتهور فيها المجتازون بها، وكان يوافي طرف العسكر متعرضا لأهله، فتخرج الخيل طالبة له، فجاء في بعض أيامه، وطلبته الخيل كما كانت تطلبه، فقطر فرس رجل من قواد الفراغنة في بعض تلك الآبار، فوقف أصحاب أبي العباس بما ناله من

(9/560)


ذلك على ما دبر الجبائي، فحذروا ذلك، وتنكبوا سلوك ذلك الطريق، وألح الزنج في مغاداة العسكر في كل يوم للحرب، وعسكروا بنهر الأمير في جمع كثير، فلما لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن الحرب قدر شهر.
وكتب سليمان إلى صاحب الزنج يسأله امداده بسميريات، لكل واحده منهن اربعون مجدافا، فوافاه من ذلك في مقدار عشرين يوما أربعون سميرية، في كل سميرية مقاتلان، ومع ملاحيها السيوف والرماح والتراس، وجعل الجبائي موقفه حيال عسكر أبي العباس، وعاودوا التعرض للحرب في كل يوم، فإذا خرج إليهم أصحاب أبي العباس انهزموا عنهم، ولم يثبتوا لهم، وخلال ذلك ما تأتي طلائعهم، فتقطع القناطر، وترمي ما ظهر لها من الخيل بالنشاب، وتضرم ما وجدت في النوبة من المراكب التي مع نصير بالنار، فكانوا كذلك قدر شهرين.
ثم رأى أبو العباس أن يكمن لهم كمينا في قرية الرمل، ففعل ذلك، وقدم لهم سميريات أمام الجيش ليطمعوا فيها، وأمر أبو العباس فأعدت له سميرية ولزيرك سميرية وحمل جماعة من غلمانه الذين اختارهم، وعرفهم بالنجدة في السميريات، فحمل بدرا ومؤنسا في سميرية ورشيقا الحجاجي ويمنا في سميرية وخفيفا ويسرا في سميرية، ونذيرا ووصيفا في سميرية، وأعد خمس عشرة سميرية، وجعل في كل سميرية مقاتلين، وجعلها أمام الجيش.
قال محمد بن شعيب الاشتيام: وكنت فيمن تقدم يومئذ، فأخذ الزنج من السميريات المتقدمة عدة، وأسروا أسرى، فانطلقت مسرعا، فناديت بصوت عال: قد أخذ القوم سميرياتنا فسمع أبو العباس صوتي وهو يتغدى، فنهض إلى سميريته التي كانت أعدت له، وتقدم العسكر، ولم ينتظر لحاق أصحابه، فتبعه منهم من خف لذلك قال: فأدركنا الزنج، فلما رأونا قَذَفَ* الله الرعب فِي قُلُوبِهِمُ، * فألقوا

(9/561)


أنفسهم في الماء، وانهزموا فتخلصنا أصحابنا، وحوينا يومئذ إحدى وثلاثين سميرية من سميريات الزنج، وأفلت الجبائي في ثلاث سميريات، ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس كانت في يده حتى دميت إبهامه، فانصرف، ولو أنا جددنا في طلب الجبائي في ذلك اليوم ظننت أنا أدركناه، فمنعنا من ذلك شدة اللغوب ورجع أبو العباس وأكثر أصحابه بمواضعهم من فوهة بردودا لم يرم أحد منهم، فلما وافى عسكره أمر لمن كان صحبه بالأطواق والخلع والأسورة، وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج، وأمر أبا حمزة أن يجعل مقامه بما معه من الشذا في دجلة بحذاء خسرسابور.
ثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل في مازروان حتى يصير إلى القرية المعروفة بالحجاجية، وينتهي إلى نهر الأمير، ويقف على تلك المواضع، ويتعرف الطرق التي تجتاز فيها سميريات الزنج، وأمر نصيرا فقدمه بما معه من الشذا والسميريات، فسار نصير لذلك، فترك طريق مازروان، وقصد ناحية نهر الأمير، فدعا أبو العباس سميريته، فركبها ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يرى أن نصيرا أمامه، وقال لمحمد: قدمني في النهر لأعرف خبر نصير وأمر الشذا والسميريات بالمصير خلفه.
قال محمد بن شعيب: فمضينا حتى قاربنا الحجاجية، فعرضت لنا في النهر صلغة فيها عشرة زنوج، فأسرعنا إليها، فألقى الزنوج أنفسهم في الماء، وصارت الصلغة في أيدينا، فإذا هي مملوءة شعيرا، وأدركنا فيها زنجيا فأخذناه، فسألناه عن خبر نصير وشذواته فقال: ما دخل هذا النهر شيء من الشذا والسميريات فأصابتنا حيرة، وذهب الزنج الذين أفلتوا من أيدينا فأعلموا أصحابهم بمكاننا، وعرض للملاحين الذين كانوا معنا غنم فخرجوا لانتهابها.
قال محمد بن شعيب: وبقيت مع أبي العباس وحدي، فلم نلبث أن وافانا قائد من قواد الزنج، يقال له منتاب، في جماعة من الزنج من أحد جانبي

(9/562)


النهر، ووافانا من الجانب الآخر عشرة من الزنج، فلما رأينا ذلك خرج أبو العباس، ومعه قوسه وأسهمه، وخرجت برمح كان في يدي، وجعلت أحميه بالرمح وهو يرمي الزنج، فجرح منهم زنجيين، وجعلوا يثوبون ويكثرون، وأدركنا زيرك في الشذا ومعه الغلمان، وقد كان أحاط بنا زهاء ألفي زنجي من جانبي مازروان، وكفى الله امرهم، وردهم بذله وصغار، ورجع أبو العباس إلى عسكره، وقد غنم أصحابه من الغنم والبقر والجواميس شيئا كثيرا، وأمر أبو العباس بثلاثة من الملاحين الذين كانوا معه، فتركوه لانتهاب الغنم، فضربت أعناقهم، وأمر لمن بقي بالأرزاق لشهر، وأمر بالنداء في الملاحين الا يبرح احد من السمير يأت في وقت الحرب، فمن فعل ذلك فقد حل دمه.
وانهزم الزنج أجمعون حتى لحقوا بطهيثا، وأقام أبو العباس بمعسكره في العمر، وقد بث طلائعه في جميع النواحي فمكث بذلك حينا، وجمع سليمان بن جامع عسكره وأصحابه، وتحصن بطهيثا، وفعل الشعراني مثل ذلك بسوق الخميس، وكان بالصينية لهم جيش كثيف أيضا، يقود أهله رجل منهم يقال له نصر السندي، وجعلوا يخربون كل ما وجدوا إلى إخرابه سبيلا، ويحملون ما قدروا على حمله من الغلات، ويعمرون مواضعهم التي هم مقيمون بها فوجه أبو العباس جماعة من قواده، منهم الشاه وكمشجور والفضل بن موسى بن بغا، وأخوه محمد على الخيل إلى ناحية الصينية، وركب أبو العباس ومعه نصير وزيرك في الشذا والسميريات، وأمر بخيل فعبر بها من برمساور إلى طريق الظهر.
وسار الجيش حتى صار إلى الهرث، فأمر أبو العباس بتعبير الدواب إلى الهرث، فعبرت، فصارت إلى الجانب الغربي من دجلة، وأمر بأن يسلك بها طريق دير العمال فلما أبصر الزنج الخيل دخلتهم منها رهبة شديدة، فلجئوا إلى الماء والسفن، ولم يلبثوا أن وافتهم الشذا والسميريات، فلم يجدوا ملجأ واستسلموا، فقتل منهم فريق، وأسر فريق، وألقى بعضهم نفسه في الماء فأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم، وهي مملوءة أرزا، فصارت في

(9/563)


أيديهم، وأخذوا سميرية رئيسهم المعروف بنصر السندي، وانهزم الباقون، فصارت طائفة منهم إلى طهيثا وطائفة إلى سوق الخميس، ورجع أبو العباس غانما إلى عسكره، وقد فتح الصينية وأجلى الزنج عنها قال محمد بن شعيب: وبينا نحن في حرب الزنج بالصينية إذ عرض لأبي العباس كركي طائر، فرماه بسهم، فشكه فسقط بين أيدي الزنج، فأخذوه، فلما رأوا موضع السهم منه، وعلموا أنه سهم أبي العباس زاد ذلك في رعبهم، فكان سببا لانهزامهم يومئذ.
وقد ذكر عمن لا يتهم أن خبر السهم الذي رمى به أبو العباس الكركي في غير هذا اليوم، وانتهى إلى أبي العباس أن بعبدسى جيشا عظيما يرأسهم ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ الزنجيان، فصار أبو العباس إلى عبدسي قاصدا للإيقاع بهما ومن معهما في خيل جريدة، قد انتخبت من جلد غلمانه وحماه اصحابه، فوافى الموضع الذي فيه جمعهم في السحر، فأوقع بهم وقعة غليظة، قتل فيها من أبطالهم، وجلد من رجالهم خلق كثير، وانهزموا وظفر أبو العباس برئيسهم ثابت بن أبي دلف، فمن عليه واستبقاه، وضمه إلى بعض قواده، وأصاب لؤلؤا سهم فهلك منه، واستنقذ يومئذ من النساء اللواتي كن في أيدي الزنج خلق كثير، فأمر أبو العباس بإطلاقهن وردهن إلى أهلهن، وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه.
ثم رجع أبو العباس إلى معسكره، فأمر أصحابه أن يريحوا أنفسهم ليسير بهم إلى سوق الخميس، ودعا نصيرا فأمره بتعبئة أصحابه للمسير إليها، فقال له نصير: إن نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت وائذن لي في المسير إليه حتى أعاينه، فأبى أن يدعه حتى يعاينه، ويقف على علم ما يحتاج إليه منه قبل موافاة أبيه أبي أحمد، وذلك عند ورود كتاب أبي أحمد عليه بعزمه على الانحدار

(9/564)


قال محمد بن شعيب: فدعاني أبو العباس، فقال لي: أنه لا بد لي من دخول سوق الخميس، فقلت: إن كنت لا بد فاعلا ما تذكر فلا تكثر عدد من تحمل معك في الشذا، ولا تزد على ثلاثة عشر غلاما عشرة رماة وثلاثة في أيديهم الرماح، فإني أكره الكثرة في الشذا مع ضيق النهر، فاستعد أبو العباس لذلك، وسار إليه ونصير بين يديه حتى وافى فم برمساور، فقال له نصير: قدمني أمامك، ففعل ذلك، فدخل نصير في خمس عشرة شذاة.
واستأذنه رجل من قواد الموالي يقال له موسى دالجويه في التقدم بين يديه، فأذن له، فسار وسار أبو العباس حتى انتهى به مسيره إلى بسامي، ثم إلى فوهة براطق ونهر الرق والنهر الذي ينفذ إلى رواطا وعبدسي، وهذه الأنهار الثلاثة تؤدي إلى ثلاث طرق مفترقة، فأخذ نصير في طريق نهر براطق وهو النهر المؤدي إلى مدينة سليمان بن موسى الشعراني التي سماها المنيعة بسوق الخميس.
وأقام أبو العباس على فوهة هذا النهر، وغاب عنه نصير حتى خفي عنه خبره.
وخرج علينا في ذلك الموضع من الزنج خلق كثير، فمنعونا من دخول النهر، وحالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور- وبين هذا الموضع الذي انتهينا إليه والسور المحيط بمدينة الشعراني مقدار فرسخين- فأقاموا هناك يحاربوننا، واشتدت الحرب بيننا وبينهم وهم على الأرض، ونحن في السفن من أول النهار إلى وقت الظهر، وخفي علينا خبر نصير، وجعل الزنج يهتفون بنا: قد أخذنا نصيرا ماذا تصنعون؟ ونحن تابعوكم حيثما ذهبتم فاغتم أبو العباس لما سمع منهم هذا القول، فأستاذنه محمد بن شعيب في المسير ليتعرف خبر نصير، فأذن له، فمضى في سميرية بعشرين جذافا حتى وافى نصيرا أبا حمزة، وقد قرب من سكر كان الفسقة سكروه، ووجده قد أضرم النار فيه وفي مدينتهم، وحارب حربا شديدا ورزق الظفر بهم، وكان الزنج ظفروا ببعض شذوات أبي حمزة، فقاتل حتى انتزع ما كانوا أخذوا من أيديهم، فرجع محمد بن شعيب إلى أبي العباس، فبشره بسلامة نصير ومن معه، وأخبره خبره فسر بذلك وأسر نصير يومئذ من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس بالموضع الذي كان واقفا به فلما رجع نصير قال أبو العباس: لست زائلا عن موضعي

(9/565)


هذا حتى أراوحهم القتال في عشي هذا اليوم، ففعل ذلك، وأمر بإظهار شذاة واحدة من الشذوات التي كانت معه لهم، وأخفى باقيها عنهم، فطمعوا في الشذاة التي رأوها، فتبعوها، وجعل من كان فيها يسيرون سيرا ضعيفا حتى أدركوها، فعلقوا بسكانها، وجعل الملاحون يسيرون حتى وافوا المكان الذي كانت فيه الشذوات المكمنة.
وقد كان أبو العباس ركب سميرية، وجعل الشذا خلفه، فسار نحو الشذاة التي علق بها الزنج لما أبصرها، فأدركها، والزنج ممسكون بسكانها يحيطون بها من جوانبها، يرمون بالنشاب والآجر، وعلى أبي العباس كيز تحته درع.
قال محمد: فنزعنا يومئذ من كيز أبي العباس خمسا وعشرين نشابة، ونزعت من لعباده كانت علي أربعين نشابة، ومن لبابيد سائر الملاحين الخمس والعشرين والثلاثين وأظفر الله أبا العباس بست سميريات من سميريات الزنج، وتخلص الشذا من أيديهم، وانهزموا، ومال أبو العباس واصحابه نحو الشط، وخرج من الزنج المقاتلة بالسيوف والتراس، فانهزموا لا يلوون على شيء للرهبة التي وصلت إلى قلوبهم، ورجع أبو العباس سالما غانما، فخلع على الملاحين ووصلهم، ثم صار إلى معسكره بالعمر، فأقام به إلى أن وافى الموفق.
ولإحدى عشرة ليلة خلت من صفر منها، عسكر أبو أحمد بن المتوكل بالفرك، وخرج من مدينة السلام يريد الشخوص إلى صاحب الزنج لحربه، وذلك أنه- فيما ذكر- كان اتصل به أن صاحب الزنج كتب إلى صاحبه على ابن أبان المهلبي يأمره بالمصير بجميع من معه إلى ناحية سليمان بن جامع، ليجتمعا على حرب أبي العباس بن أبي أحمد، وأقام أبو أحمد بالفرك أياما، حتى تلاحق به أصحابه ومن أراد النهوض به إليه، وقد أعد قبل ذلك الشذا والسميريات والمعابر والسفن، ثم رحل من الفرك- فيما ذكر- يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول في مواليه وغلمانه وفرسانه ورجالته فصار إلى رومية المدائن، ثم صار منها، فنزل السيب ثم دير العاقول ثم جرجرايا، ثم قنى، ثم نزل جبل، ثم نزل الصلح، ثم نزل على فرسخ من واسط، فأقام

(9/566)


هنالك يومه وليلته، فتلقاه ابنه أبو العباس به في جريدة خيل فيها وجوه قواده وجنده، فسأله أبو أحمد عن خبر أصحابه، فوصف له بلاءهم ونصحهم، فأمر أبو أحمد له ولهم بخلع فخلعت عليهم، وانصرف أبو العباس إلى معسكره بالعمر، فأقام يومه فلما كانت صبيحة الغد رحل أبو أحمد منحدرا في الماء، وتلقاه ابنه أبو العباس بجميع من معه من الجند في هيئة الحرب والزي الذي كانوا يلقون به أصحاب الخائن، فجعل يسير أمامه حتى وافى عسكره بالنهر المعروف بشيرزاد، فنزل به أبو أحمد، ثم رحل منه يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، فنزل على النهر المعروف بسنداد بإزاء القرية المعروفة بعبد الله، وأمر ابنه أبا العباس، فنزل شرقي دجلة بإزاء فوهة بردودا، وولاه مقدمته، ووضع العطاء فأعطى الجيش، ثم أمر ابنه بالمسير أمامه بما معه من آله الحرب الى فوهه برمساور فرحل أبو العباس في المختارين من قواده ورجاله، منهم زيرك التركي صاحب مقدمته، ونصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذا والسميريات.
ورحل أبو أحمد بعد ذلك في الفرسان والرجالة المنتخبين، وخلف سواد عسكره وكثيرا من الفرسان والرجالة بمعسكره، فتلقاه ابنه أبو العباس بأسرى ورءوس وقتلى قتلهم من أصحاب الشعراني، وذلك أنه وافى عسكره الشعراني في ذلك اليوم قبل مجيء أبيه أبي أحمد، فأوقع به وأصحابه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم جماعة، فأمر أبو أحمد بضرب أعناق الأسرى فضربت، ونزل ابو احمد فوهه برمساور، وأقام به يومين، ثم رحل يريد المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس في يوم الثلاثاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الآخر من هذه السنة بمن معه من الجيش وما معه من آلة الحرب، وسلك في السفن في برمساور، وجعلت الخيل تسير بازائه شرقى برمساور، حتى حاذى النهر المعروف ببراطق الذي يوصل إلى مدينة الشعراني.
وإنما بدأ أبو أحمد بحرب سليمان بن موسى الشعراني قبل حرب سليمان بن جامع من أجل أن الشعراني كان وراءه، فخاف إن بدأ بابن جامع ان يأتيه

(9/567)


الشعراني من ورائه، ويشغله عمن هو أمامه، فقصده من أجل ذلك، وأمر بتعبير الخيل وتصييرها على جانبي النهر المعروف ببراطق، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم في الشذا والسميريات، واتبعه أبو أحمد في الشذا بعامة الجيش.
فلما بصر سليمان ومن معه من الزنج وغيرهم بقصد الخيل والرجالة سائرين على جنبتي النهر ومسير الشذا والسميريات في النهر، وقد لقيهم أبو العباس قبل ذلك، فحاربوه حربا ضعيفة، انهزموا وتفرقوا.
وعلا أصحاب أبي العباس السور، ووضعوا السيوف فيمن لقيهم وتفرق الزنج وأتباعهم، ودخل أصحاب أبي العباس المدينة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا، وأسروا بشرا كثيرا، وحووا ما كان في المدينة، وهرب الشعراني ومن أفلت منهم معه، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد حتى وافوا بهم البطائح، فغرق منهم خلق كثير، ونجا الباقون إلى الآجام، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم قبل غروب الشمس من يوم الثلاثاء، وانصرف وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة، سوى من ظفر به من الزنجيات اللواتي كن في سوق الخميس فأمر أبو أحمد بحياطة النساء جميعا، وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أوليائهن وبات أبو أحمد بحيال النهر المعروف ببراطق، ثم باكر المدينة من غد، فأذن للناس في حياطة ما فيها من أمتعة الزنج، وأخذ ما كان فيها أجمع، وأمر بهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما كان بقي فيها من السفن، ورحل إلى معسكره ببرمساور بالظفر بما بالرساتيق والقرى التي كانت في يد الشعراني وأصحابه من غلات الحنطة والشعير والأرز، فأمر ببيع ذلك، وصرف ثمنه في أعطيات مواليه وغلمانه وجنده وأهل عسكره.
وانهزم سليمان الشعراني وأخواه ومن أفلت، وسلب الشعراني ولده وما كان بيده من مال، ولحق بالمذار، فكتب إلى الخائن بخبره وما نزل به واعتصامه بالمذار.
فذكر محمد بن الحسن، أن محمد بن هشام المعروف بأبي واثلة الكرماني

(9/568)


قال: كنت بين يدي الخائن وهو يتحدث، إذ ورد عليه كتاب سليمان الشعراني بخبر الوقعة وما نزل به، وانهزامه إلى المذار، فما كان إلا أن فض الكتاب، فوقعت عينه على موضع الهزيمة حتى انحل وكاء بطنه، ثم نهض لحاجته، ثم عاد فلما استوى به مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقرؤه، فلما انتهى إلى الموضع الذي أنهضه، نهض حتى فعل ذلك مرارا قال: فلم أشك في عظم المصيبة، وكرهت أن أسأله، فلما طال الأمر تجاسرت، فقلت: أليس هذا كتاب سليمان بن موسى؟ قال: نعم، ورد بقاصمة الظهر، أن الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه ولم تذر، فكتب كتابه هذا وهو بالمذار، ولم يسلم بشيء غير نفسه قال: فأكبرت ذلك، والله يعلم مكروه ما أخفي من السرور الذي وصل إلى قلبي، وأمسك مبشرا بدنو الفرج وصبر الخائن على ما وصل إليه، وجعل يظهر الجلد، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني، ويأمره بالتيقظ في أمره وحفظ ما قبله.
وذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد قال: أقام الموفق بعسكره ببرمساور يومين، لتعرف أخبار الشعراني وسليمان بن جامع والوقوف على مستقره، فأتاه بعض من كان وجهه لذلك، فأخبره أنه معسكر بالقرية المعروفة بالحوانيت.
فأمر عند ذلك بتعبير الخيل إلى أرض كسكر في غربي دجلة، وسار على الظهر، وأمر بالشذا وسفن الرجالة فحدرت إلى الكثيثة، وخلف سواد عسكره وجمعا كثيرا من الرجال والكراع بفوهه برمساور، وأمر بغراج بالمقام هناك، فوافى أبو أحمد الصينية، وأمر أبا العباس بالمصير في الشذا والسميريات إلى الحوانيت مخفا لتعرف حقيقة خبر سليمان بن جامع في مقامه بها، وإن وجد منه غرة أوقع به فسار أبو العباس في عشي ذلك اليوم إلى الحوانيت، فلم يلف سليمان هنالك، وألفى من قواد السودان المشهورين بالبأس والنجدة شبلا وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذين كان استتبعهم في بدء مخرجه.
وكان سليمان بن جامع خلف هذين القائدين في موضعهما لحفظ غلات كثيرة كانت هناك، فحاربهما أبو العباس، وأدخل الشذا موضعا ضيقا من النهر، فقتل من رجالهما، وجرح بالسهام خلقا كثيرا- وكانوا أجلد رجال سليمان بن

(9/569)


جامع ونخبتهم الذين يعتمد عليهم- ودامت الحرب بينهم إلى أن حجز الليل بين الفريقين.
قال: وقال محمد بن حماد: في هذا اليوم كان من أمر أبي العباس في الكركي الذي ذكره محمد بن شعيب في يوم الصينية، وقد مر به سانحا، قال: واستامن في هذا اليوم رجل إلى أبي العباس، فسأله عن الموضع الذي فيه سليمان بن جامع، فأخبره أنه مقيم بطهيثا، فانصرف أبو العباس حينئذ إلى أبيه بحقيقة مقام سليمان بمدينته التي سماها المنصورة، وهي في الموضع الذي يعرف بطهيثا، وأن معه هنالك جميع أصحابه غير شبل وأبي النداء، فإنهما بموضعهما من الحوانيت لما أمروا بحفظه فلما عرف ذلك أبو أحمد، أمر بالرحيل إلى بردودا، إذ كان المسلك إلى طهيثا منه، وتقدم أبو العباس في الشذا والسميريات، وامر من خلفه ببرمساور أن يصيروا جميعا إلى بردودا، ورحل أبو أحمد في غد ذلك اليوم الذي أمر أبا العباس فيه بما أمره به إلى بردودا، وسار إليها يومين، فوافاها يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، فأقام بها يصلح ما يحتاج إلى إصلاحه من أمر عسكره، وأمر بوضع العطاء وإصلاح سفن الجسور ليحدرها معه، واستكثر من العمال والآلات التي تسد بها الأنهار، وتصلح بها الطرق للخيل، وخلف ببردودا بغراج التركي، وقد كان لما عزم على الرجوع إلى بردودا أرسل إلى غلام له يقال له جعلان وكان مخلفا مع بغراج في عسكره، فأمر بقلع المضارب وتقديمها مع الدواب المخلفة قبله والسلاح إلى بردودا، فأظهر جعلان ما أمر به في وقت العشاء الآخرة، ونادى في العسكر والناس غارون، فألقي في قلوبهم أن ذلك لهزيمة كانت فخرجوا على وجوههم، وترك الناس أسواقهم وأمتعتهم، ظنا منهم أن العدو قد أظلهم، ولم يلو منهم أحد على أحد، وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا، وساروا في سواد ليلتهم تلك، ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر، فسكنوا واطمأنوا

(9/570)


وفي صفر من هذه السنة كان بين أصحاب كيغلغ التركي وأصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وقعة بناحية قرماسين، فهزمهم كيغلغ، وصار إلى همذان، فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه في صفر، فحاربه فانهزم كيغلغ، وانحاز إلى الصيمرة.
وفي هذه السنة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر دخل أبو أحمد وأصحابه طهيثا، وأخرجوا منها سليمان بن جامع، وقتل بها أحمد بن مهدي الجبائي.