زبدة الحلب في تاريخ حلب
القسم الحادي عشر
ثانياً نصر بن صالح بن مرداس
حرب الأخوين
ولما قتل صالح بن مرداس، ملك حلب بعده ابناه معز الدولة أبو علوان ثمال
في القلعة، وشبل الدولة نصر في المدينة.
وأوقعا في هذه السنة على قيبار بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم. وكان
قصد بلد حلب بغير أمر الملك ولاطفه ثمال ونصر، فلم يرجع عن قصد بلد
حلب، فكبساه في قيبار، وهو يقاتل حصنها وقتل جماعة من الفريقين، وانهزم
عسكر الروم يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة.
ثم استعطفاه واستقامت الحال بينهم، وداما على ذلك إلى أن جرى بين معز
الدولة ثمال وبين زوجته كلام، فغضبت عليه، وخرجت إلى الحلة بظاهر حلب،
فأمر ثمال أن يصاغ لها لآلكة من ذهب مرصعة بالجواهر
فلما استوت أخذها في كمه وخرج.
فحين علم نصر ركب واجتاز تحت القلعة، كأنه يريد الخروج من باب
(1/135)
العراق، في جماعة من أصحابه، وجذب سيفه لما
قارب باب القلعة، وهجمها فلم يمانعه أحد من الأجناد لهيبته، وتبعه
أصحابه مجردين سيوفهم، فجلس في المركز وقال: إن من قدم أخي علي فقد
أساء لأنني أولى بمداراة الرجال، وهو أولى بمداراة النساء.
ومن ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الراكب الصعود فجاء،
ورسم أن لا يدخلها أحد متقلداً سيفاً، ولو أنه أقرب الناس مودة إلى
مالكها.
فتفرد نصر بالأمر في القلعة والبلد، وذلك في سنة إحدى وعشرين
وأربعمائة. وكان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشماس، الذي ينسب
إليه حمام الشماس بحلب، في الجلوم، وكان نصرانياً وكان حسن التدبير،
محباً لفعل الخير وكان أخوه ناظراً في البلد البراني، فعمره، وعمر
المساجد البرانية.
فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب، وعزم على منازلة أخيه نصر، فسير
نصر إلى ملك الروم أرمانوس وكان قد هلك باسيل في سنة
خمس عشرة، وولي أرمانوس يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستمائة ألف
حتى وصل إلى أنطاكية.
فتوسط مقدمو العرب بين نصر وثمال، ووقفوا بينهما على أن يكون لنصر حلب،
ولثمال بالس والرحبة، فرجع نصر عما كان راسل به ملك الروم.
نصر والروم
وأرسل ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس إلى ملك الروم، يسأله أن لا
يقصده، ويحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى
باسيل، فأبى واعتقل مقلد بن كامل عنده، فحين تحقق رجوع نصر عن رأيه
الأول جبن وضعف عن منازلة حلب.
وسار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوماً، وكسرت سرية له عرب حلب،
وكانوا قد طاردوا عسكر الروم، فاستظهر الروم عليهم، وكان معه ملك
(1/136)
البلغر، وملك الروس، والأبخاز، والخزر،
والأرمن والبجناك، والأفرنج.
ونزل الملك بجيوشه على تبل قريباً من الجبل، في موضع بعيد عن الماء،
وضرب على عسكره خندقاً، وكانت أمواله على سبعين جمازة، وكان قدر موضع
عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجد الراكب على فرس.
ولقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابي في خيل قليلة، فنال من
سرياه كل ما طلب، وأرسل الملك سرية فيها صناديد عسكره إلى عزاز،
فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، وقتلوا بطارقها، وأسروا جماعة من أولاد
الملوك الذين معهم، وجسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي
نزلوا فيه.
ولقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية
سهم، وأن الروم لم يقطعوا منها قثاءة واحدة، خوفاً من العرب أن
تتخطفهم.
ولما كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده،
واعتذر قائلاً: لولا عطش عسكري لبلغت مرادي.
وهجم نصر والعرب على سوق الملك فنهبوه، وتأخر رحيل ملك الروم من منزلته
ثلاثة أيام.
وأقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة وثلاثة وعشرين فارساً، وقيل في
سبعمائة فارس، فحين أشرف على الروم ظنوا أنها كبسة فانهزموا، ومنح الله
أكتافهم يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين.
ونزع ارمانوس الملك خفه الأحمر لئلا يعرف، ولبس خفا أسود ولا يلبس الخف
الأحمر عندهم إلا الملك وهرب. وأخذ شبل الدولة تاجه وبلاطه ولباده،
وهرب في أرمن كانوا معه حموه بالسهام.
(1/137)
وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين
وطلعوا فيه، وحصلوا في بلد
قورس، وكان للروم. ولحق بعضهم ولم يبق مع الملك إلا القليل. وقتل
المسلمون من بطارقته وغيرهم ما لا يحصى، وأسروا من أولاد الملوك وغيرهم
كذلك، واشتغل الناس بالنهب، وأخذوا من الدواب والثياب والديباج
والأمتعة وآلات العسكر ما لا يوصف.
وذكر أن طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة، فأخذت ثقل الملك
نحواً من ثلاثمائة بغل محملة، حتى أنهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسية
بالقصعه، فحصل لكل واحد منهم ثماني عشرة جفنة.
وكان ملك الروم لما رحل طرح النار في المنجنيقات والعرادات والتراس،
ونهب الناس منها ما أبقته النار، حتى أن أكثر سقوف بلد حلب جعلت التراس
عليها عوض الدفوف.
وقيل: إن الناس بحلب باتوا على السور قبل الوقعة بيوم، وفيهم ابن نمير
العابد، فبات يصفي على السور، وسجد في آخر الليل، فنام وهو ساجد، فرأى
في منامه علياً عليه السلام راكباً، ولباسه أخضر، وبيده رمح، وهو يقول
له: " ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك. فانتبه بقوله فحكى للناس ذلك،
فتباشروا به. وحكي عن مرتضى الدولة إنه قال، " استدعاني أرمانوس في آخر
تلك
الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب.
فعلمت أنه يعني أبن نمير، فقلت: نعم، فقال: صفه لي، فوضفته، وحليته،
فقال لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه الساعة، وكأني قد أشرفت على سور
هذه المدينة، وهو قائم عليه يومىء إلي بيده ويقول: ارجع، فما تصل إلى
هذا البلد. وتكرر ذلك، ولا أرى أنه يتم فيه شيء. فلما كان من غد كسرت
السرية التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة والهزيمة بعد ذلك.
وقد ذكرنا عن ابن نمير نحواً من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم
حلب.
وحكى بعض الكتاب بحلب: إنه كان في خدمة وثاب بن محمد بن نصر، عند
(1/138)
تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وهو في
نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على وثاب فرجية وشق، وقال: " هذه مباركة
أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ديوخانس ملك الروم لما كسره.
قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهراً وباطناً، وقال: " هذا يا مولانا
مبارك نشرب به لأن جدي نصراً أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز ".
فقال تاج الدولة: " يا وثاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار. فقال، "
لا بل عزفت مولانا كبر بيتي، وإنني له كبعض العبيد الصغار. فقال له
بالتركي: بل أنت أخي الكبير. فقام وثاب، وقبل الأرض قدام السرير، فزاد
في إقطاعه، وخلع وحمله على مركوبه.
وقيل: إن ثمالاً ونصراً حقد عليهما ملك الروم ما جرى منهما على ميخائيل
بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيرا ابن عمهما مقلد بن كامل يبذلان له
الطاعة والخدمة، وكان قد سير إليهما يسومهما تسليم حلب، ويقول إنه يخاف
أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما وعرض عليهما عوضاً عنها ما
اختاراه، فاعتقلا رسوله انتظاراً لما يرد من جواب رسالتهما.
فبلغه ذلك فاعتقل مقلد بن كامل، وخرج بنفسه، فأخرجا حرمهما من حلب إلى
البرية خوفاً منه، حتى كان من أمره ما ذكرناه، وكان ثمال في القلعة
يحفظها، ونصر باشر القتال.
فلما عاد ملك الروم سار نصر وثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها،
واستولى عليها، وعوض ثمالاً بوساطة من توسط بينهما الرحبة وبالس ومنبج
وأعمالها.
وخرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا وتفسيره
بالعربية الدويك في خلق عظيم، فعاث في البلد العربي، وأفسد، وفتح حصن
المنيفة، وهجم رفنية، وسبى عشرة آلاف من أهلها، ونقض أبرجة سورها في
سنة
(1/139)
إحدى وعشرين، وفتح في سنة اثنتين حصن بني
الأحمر، وحصن بني غناج، وغير ذلك من الحصون وخربها.
فراسله شبل الدولة ولاطفه إلى أن صالحه، وجعله سفيراً بينه وبين ملك
الروم في طلب الهدنة، فاستقر أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الروم
دراهم خمسمائة ألف درهم، في نجمين من السنة، قيمتها ثمانية ألاف مثقال
ذهب.
وأطلق الملك مقلد بن كامل بن مرداس رسول نصر، وأعطاه صليباً من ذهب
مرصعاً أماناً لنصر، ووفاء بالشرط.
وسير شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر،
وحمل إليه هدية من جملة ما غنمه من الروم، من الثياب، والصياغات،
والأواني، والألطاف الكثيرة. وقاد في صحبته نحو مائة وخمسين رأساً من
الدواب، خيلاً وبغالاً ووقع فعله عندهم أحسن موقع. وقام أبو الحسن
الجرجرائي بتمهيد أمره. وأقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظاهر، فخلع
المستنصر على ابن الأيسر، وسير معه خلعاً لنصر بن صالح، ولفبه مختص
الأمراء، خاصة الأمامة، شمس الدولة ومجدها، ذو العزيمتين.
وفي أيام نصر اجتمع بجبل السماق قوم يعرفون بالدرزية منسوبون إلى رجل
خياط أعجمي، وجاهروا بمذهبهم، وخربوا ما عندهم من المساجد، ودفعوا نبوة
الأنبياء، وجحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدرزي،
وأحلوا نكاح المحارم، وتفاقم أمرهم، وتحصنوا في مغاير شاهقة على
العاصي، وانضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، وطمعوا بالاستيلاء على البلاد.
(1/140)
فخرج إليهم نقيطاً قطبان أنطاكية، وحاصرهم
في المغاير، ودخن عليهم، وساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثم
التمسوا الأمان بعد اثنين وعشرين يوماً، فأخرجوهم بالأمان، وقبضوا على
دعاتهم وقتلوهم، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
وفي هذه السنة استوحش سالم بن مستفاد الحمداني من شبل الدولة نصر، وكان
صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلمها إليه، وقدمه على
الأحداث، وأبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ واستقر عليه أحداث
حلب ورعاعها ولبسوا السلاح، وعولوا على محاربة القلعة.
وكان يتردد بين سالم وبين شبل الدولة كاتب نصراني يعرف بتوما وكان يحرف
ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، ويزيد في التجني، ويسوم شططاً لا يمكن
إجابته إليه، وذلك من غير علم ابن مستفاد.
فلما رأى شبل الدولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، وركب إليه،
فلما رآه الحلبيون دعوا له وانقلبوا إليه، وقاتلوا دار ابن مستفاب،
فطلب الأمان فحلف له أنه لا يجري له دماً وحبسه بالقلعة، ونهبت داره،
ثم خاف استبقاءه فقتله خنقاً، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دماً.
وتبين لنصر بعد قليل كذب ذلك النصراني الكاتب، وما كان يحرفه في رسالته
فقبض عليه، وطالبه بمال، فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة
فخنقه في ذي القعدة. وقيل ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
نهاية نصر بن صالح بن مرداس
ودام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وقتل في المصاف بينه وبين أمير الجيوش الدزبري.
(1/141)
وذلك أن أمير الجيوش استقر بدمشق، بعد قتله
صالح بن مرداس بالأقحوانة، فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في
إفساد ما بين نصر بن صالح وأنوشتكين الدزبري. وكان عند أنوشتكين
استعداد لذلك لقتله صالحاً أباه، فشرع جعفر بن كليد يغري أنوشتكين
بنصر، ويحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة والمنافرة.
فكاتب الدزبري ملك الروم، واستأذنه في محاربة نصر، واستنقاذ حلب منه،
وأن يؤدي ما عليه من الحمل المقرر إليه، فأذن له في ذلك، فاستمال
الدزبري جميع العرب من الطائيين والكلبيين وبعض الكلابيين، وسيرهم إلى
نصر بن صالح ومعهم رافع بن أبي الليل. ومن قبله من المقاربة، واجتمع
إليه علان بن حسان بن الجراح الطائي.
ورحل الدزبري قاصداً حماة، وكان عسكره قد تقدم إلى وادي الملوك، شرقي
الرستن، فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمه وعسكره، ونزل تلا غربي
سلمية، والتقوا فكسر نصر وأصحابه، وشرع في جمع من قدر
عليه، واستنجد بشبيب بن وثاب أخي زوجته.
ورحل الدزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة، فدخلها، ونهبها. ثم رحل
منها فالتقوا عند تل فاس، غربي لطمين، فانهزم ثمال بن صالح.
وثبت نصر في خواص أصحابه، وقاتل قتالاً شديداً، فطعن ووقع، واحتز رأسه
في نصف شعبان. وقيل: لسبع عشرة ليلة بقيت منه، من سنة تسع وعشرين
وأربعمائة.
وحمل رأسه إلى الدزبري فحمله، وتأسف عليه، وأظهر عليه حزناً، وأنفذ من
تسلم جثته فصلبت في حماة على الحصن، ثم أمر بإنفاذ ثياب، وطيب، وتكفين
الجثة في تابوت، ودفنها في المسجد فنقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة
إلى قلعة حلب. وقيل: إن الذي قتله ريحان الجويني، وأجهز عليه هفكين
التركي المعروف بالسروري. وتأمل المنجمون الوقت والزمان الذي قتل فيه
أبوه فكان بين قتله وقتل أبيه أربعة أيام، يريد من السنين الشمسية.
(1/142)
|