رسالة الملائكة القول في ترك القُراء إمالة يا إذا كان حرف
النداء
الإمالة اصلها للأفعا لأنها كثيرة التغير لأنك تقول مضى ويمضي ويبنى
الفعل على أبنية مختلفة فتظهر حالُ الياء ثم اتسعوا في ذلك فأجروا
الاسماء لقوتها مجرى الافعال والامالة توجد في كلامهم على سبعة انحاء
إمالة لياء موجودة كإمالة شيبان وعيمان وإمالة لياء غير موجودة في
الللفظ وهي في البناء منقلبة كإمالة باع وسار لأنه من البيع والسير
وإمالة لكسرة موجودة كإمالة كإمالتهم ألف عماد وكافر وإمالة لكسرة غير
موجودة ولكنها مقدرة في أصل ابناء كإمالتهم خاف لأجل الكسرة التي في
خفت وإمالة لإمالة كقولك رأيت عمادا فأمالوا الألف التي بعد الدال إذا
وقفوا لإمالتهم الألف التي بعد الميم وإمالة للتشبية وهى إمالة ألف غزا
والمكا كأنهم شبهوا ذوات الواو بذوات الياء. وإمالة شاذة نحو قولهم
الحجاج أمالوا الاسم من هذا النوع دون الوصف.
(/)
وليست حروف المعاني مما تجب فيه الإمالة
وإنما حكى النحويون يا زيد لأن يا عندهم في هذا الموضع واقعة موقع
الفعل فكأنهم قالوا أدعوا زيدا فأمالوا هذا الحرف كما أمالوا الفعل إذ
كان واقعا موقعه وقوى الإمالة أن فيه ياء موجودة وقد قالوا في حروف
التهجي باتا فأمالوا ليفرقوا بينها وبين غيرها ولأنهم حكوا بييت باء
فذلوا بذلك على أنها من ذوات الياء والقراءة سماع وقياس واختيار فإذا
سُمع الحوف وكان السامع له من أهل المعرفة قاسه على نظائره بعد صحة
الخبر فيه فإذا وضح له انه مستقيم كان الاختيار بعد ذلك اليه فنقول إن
القراء تركوا إمالة يا لان الحروف أصلها الا تدخلها الامالة ولم
يطالبوا بأن يحملوا القراءة على ما يجوز في كلام العرب كما انهم
لايطالبون بان يقرؤوا ولله على الناس وحجٌّ البيت بالتنوين ولا يلزمهم
إذا كان الحرف من الكتاب لغتان أو ثلاث أن يستعملوا ذلك كله بل قراءتهم
مردودة إلى الرواية كما إن قياس الفقهاء معلق بالكتاب والخبر وهم
مجمعون على قراءة المشعر الحرام بالفتح وقد حُكي أن كسر الميم منه أكثر
في كلام العرب وإنما تحمل القراءة على معظم الكلام وأقومه في قياس
العربية والممالُ عند البصريين هو الألف فيجعلونها ثلاثة أنواع ألف
تفخيم وألف نرخيم وهي ألف الامالة وكذلك سماها سيبويه في كتابة والفُ
بين بين وإنما سمى تلك ألف ترخيم لأن النطق بها أخف من النطق بالمفخمة
وأما الفراء فدل كلامه على أن الممال هو الحرف الذي قبل الألف لأنه جعل
النون هي المكسووة في قولهم إنا لله وهذا قول حسن وإنا لله من الإمالة
الشاذة لا نه ليس موضع إمالة وإنما كثر استعماله ولزمته اللام المكسورة
التي في اسم الله سبحانه فشبه بألف فاعل ومفاعل وأمالوا إمالا وهذا
أيضا شاذو وإنما ذلك لأن الاستعمال كثرفآ ثروا التخفيف وقد مضى القول
في أن الإمالة أخف من التفخيم وقول الفراء يقوى في إن الممال هو حرف
الذي قبل الألف لأن الامالة تبين في الحرف حدثا ليس في التفخيم والألف
لا تحتمل ذلك لأنها ضعيفة جدا وغيرها بالتغيير أليق وهو له اجمل وقد
أملواا الفتحة في الحجر والضرر فدل ذلك على أن المالة إنما هي في الحرف
الذي قبل الألف وكذلك قول بعضهم نعمة في الوقت الكسرة على الميم بينة
فأما الهاء فبرية من ذلك وليست الهاء بأضعف من الألف بل لها مزية في
القوة لان الهاء تمكن حركتها والألف لا تحتمل شيئا من الحركات وأنت إذا
جئت في الفواصل ألا ترى أنك إذا قلت في المثل أنكحنا الفرا فسترى ففخمت
الفرا وأملت ترى فقد جئت باللفظين متباينين ومن تفقد ذلك وجده كثيرا في
فواصل السجع وقوا في الشعر ويقوى ترك الامإلة في الحروف التي ليست
مشتقة فيحكم على الفاتها بأنها منقلبات عن ياءات ولو قويت الامالة في
شيء منها لقويت في لكن لانها على هيئة فاعل وبعد الفها كسرة واختلف
النحويون فحكي عن المازني أن لكن الخفيفة مأخوذة مغ الثقيلة وقال غيره
بل هي على حالها وقد زعم الفراه أن أصلها لاكِئن واحتج بدخول اللام في
الخبر وأنشد:
ولكنني من واحد لكميد
وهذه دعوى لا تثبت وإن صح دخول اللام في خبر لكن فيجوز أن يكون شاذاً
وقد زادوا اللام في مواضع كما قال الراجز:
أم الحليس لعجوز شهر به
وهي المسنة التي فيها بقية والبيت معروف وقد حكى الفرآء دخول اللام على
اللام في قول الشاعر:
لددتهم النصيحة أي لدٍ ... فمجوا النصح ثم ثنوا فقاوٌا
فلا والله لا يرجى لما بي ... ولا للما بهم أبداً داءُ
ويروي شفاه وفي قول الآخر
فلئن قوم أصابوا غرة ... وأصبنا من زمان رنقا
للقد كنا لدى ارحلنا ... لصنيعين لباس وتقى
إلا أن قول الفراء يقوي ترك الامالة في لكن لأن صدرها لا النافية
وقراءة الكسائي جرت على هذه العلة وترك الامالة في مثل قولك يخرج وأنت
تريد يا فلان أخرج وفي مثل قوله ألا يا سجدوا وفي مثل قول الشاعر:
4ا - لا يا سلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وان لم تكلمي
(/)
واجب على رأي البصريين لان الألف ذهبت لالتقاء الساكنين وإنما تكون
الامالة للالف فمن أمال في قولك يا زيد لم يمكنه إن يميل في هذا الموضع
لان الألف قد ذهبت فاذا وقف الواقف فأظهر الألف فالواجب الا يميل ليكون
حال الوصل كحال الوقف وإذا سقطت الألف لم يبق للامالة مدخل لان أصل
الامالة إنما وضع لهذا الحرف وان كانوا قد أمالوا أشياء إلى الكسرة
والى الضمة إلا أن معظم الباب للألف على رأي البصريين فأما على رأي
الفراء إذا كان إعتقاده إن الامالة للحرف الذي قبل الألف فلا تجب بعد
سقوطها لأنها من أجل الألف تحدث فمن قال طما رأيه يا زيد فأمال لم يبق
له إلى الامالة سبيل اذ قال يا اشكر محمداً وهو يريد يا فلان اشكر
محمداً ومن زعم أنك تميل إذا قلت يا زيد لأن الحرف مشبه بالفعل قويت
عنده الامالة في قول الشاعر:
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والطيبين على سمعان من جار
لأنه قد جعل يا كالمستغنية ولم يجعلها كغيرها من الحروف لانك إذا قلت
إن وليت ونحو ذلك لم يكن بد من أن تجيء بالاسم ويا هذه قد خالفت الحروف
في أنها تحذف تارة ويحذف اسمها أخرى والذي أذهب اليه أنهم أمالوا يا
زيد لاجل الياء الموجودة وإذا قيل ذلك فامالتهم يا جذع أقوى من إمالتهم
يا عمرو لان الجيم من جذع مكسورة والعين من عمرو مفتوحة والياء
المنقلبة أجذب إلى الامالة من الياء الموجودة. |